الدلالات اللغوية والاصطلاحية:
لم تظهر لفظة بيكاريسكاPICARESCA باعتبارها لفظة إسبانية إلا في نهاية الربع الأول من القرن السادس عشر، قبيل ظهور الرواية الشطارية الأولى في الأدب الإسباني للروائي المجهول ألا وهي:La vida de Lazarillo de Tormes y sus fortunas y adversidad( حياة لاثاريو دي طورميس
وحظوظه ومحنه).وتدل هذه اللفظة على جنس أدبي جديد تشكل في إسبانيا لأول مرة. ثم، انتقل بعد ذلك إلى فرنسا وألمانيا وانجلترا وأمريكا. و تعني هذه الرواية ذلك المتن السردي الذي يرصد حياة البيكارو أو الشطاري المهمش؛ لذلك تنسب هذه الرواية إلى بطلها بيكاروPicaro ) الشاطر) أو(المغامر) الذي يقول عنه قاموس الأكاديمية الإسبانية:" نموذج شخصية خالعة و حذرة وشيطانية وهزلية، تحيا حياة غير هنيئة كما تبدو في عيون المؤلفات الأدبية الإسبانية"، أو أنه:" بطل مغامر شطاري مهمش صعلوك محتال ومتسول". وتعتقد الأكاديمية الإسبانية أن لفظةPicaro مشتقة من فعلPicar في معناه الشعبي المجازي، وهو الارتحال والصيد واللسع.
وتعني picaresque في اللغة الفرنسية الأعمال التي تصف الفقراء والمعوزين والمعدمين والصعالكة والمتسولين والأنذال أو قيم المتشردين والمحتالين واللصوص في القرون الوسطى.
والبيكارو باعتباره بطل الرواية البيكارسكية ليس بمقترف جرائم في معنى الجرائم الحقيقي، ولكنه ينتمي إلى طائفة المتسولين، لايبالي كثيرا بالقيم ومسائل الأخلاق مادام الواقع الذي يعيش فيه منحطا وزائفا في قيمه، يسوده النفاق والظلم والاستبداد والاحتيال حتى من قبل الشرفاء والقساوسة والنبلاء ومدعي الإيمان والكرم والثراء. وما همّ البيكارو سوى البحث عن لقمة الخبز ورزق العيش، لذلك فهو في حياته مزدوج الشخصية، جاد في أقواله ونصائحه ومعتقداته، وذكي يتكلم بالنصائح، ويتفوه بإيمان العقيدة، ولكنه في نفس الوقت، يسخر من قيم المجتمع وعاداته وأعرافه المبنية على النفاق والهراء. ويأنف البيكارو من اتخاذ عمل منتظم لرزقه، بل يتسكع في الشوارع ويتصعلك بطريقة بوهيمية وجوديية وعبثية، يقتنص فرص الاحتيال والحب والغرام، منتقلا من شغل إلى آخر كصعلوك مدقع يرفضه القانون وسنة الحياة والعمل، يفضل الارتحال و الكسل والبطالة. وعلى الرغم من كل هذا، يحصل على المال لاباغتصابه ، بل بالحيل والذكاء واستعمال المقدرة اللغوية والحيل والمراوغة وفصاحة اللسان وبلاغة البيان والأدب. ويجعل الناس يقبلون عليه بسلوكياته ومواقفه ويرغبون في مصاحبته ومعاشرته إشفاقا عليه وعطفا واستطرافا.
وتعتبر نصوص البيكارسك بمثابة قصص العادات والتقاليد للطبقات الدنيا في المجتمع، أي إنها قصص مغامرات الشطار ومحنهم ومخاطراتهم. لذا غالبا ما تكتب بصياغة سيرية أوطوبيوغرافيةAutobiographie روائية واقعية ، سواء بضمير المتكلم أم بضمير الغائب؛ لذا تسمى أيضا بالرواية الأوطوبيوغرافية البيكارسكية التي تؤكد مدى اعتماد الرواية على تصوير البعد الذاتي وتجسيد تقاطعه مع البعد الموضوعي. وتتخذ هذه الرواية صيغة هجائية وانتقادية لأعراف المجتمع وقيمه الزائفة المنحطة فاضحة إياها بطريقة تهكمية ساخرة، منددة بالاستبداد والظلم والفقر.
وتتغنى الرواية البيكارسكية باعتبارها رواية شعبية بالفقراء والكادحين والمهمشين الذين صودرت حقوقهم وممتلكاتهم وحرياتهم وأصبحوا يعيشون على هامش التاريخ.
ولقد أطلقت على الرواية البيكارسكية في الحقل العربي الحديث عدة مفاهيم ومصطلحات وتسميات. فهناك من يفضل الاحتفاظ بنفس المصطلح الغربي( بيكاريسك ) لنجاعته ودقته دلالته الوضعية والاصطلاحية، وهناك من يختار مصطلح الشطار كماهو الشأن لدى محمد شكري الروائي المغربي، ومحمد غنيمي هلال وإسماعيل عثماني. وهناك من يستعمل مصطلح الرواية الاحتيالية كالدكتور علي الراعي ، وهناك من يطلق عليها الأدب التشردي أو أدب الصعلكة أو أدب الكدية أو أدب المهمشين(Les marginaux) عند الأديب والباحث التونسي محمد طرشونة .
و في اعتقادي،أن مصطلح (الاحتيالية/المحتال) لدى الدكتور علي الراعي لاينطبق دائما وبشكل دقيق على شخصية هذه الرواية؛لأن هناك من يتمسك في هذه الروايات الشطارية بالقيم الأصيلة ويتشبع بالمثل العليا والفضائل السامية، ولا علاقة له بعالم الاحتيال ومواضعاته الدنيئة. ويمكن أن ينطبق الاحتيال باعتباره خاصية أدبية أخلاقية على بعض الشخصيات في العصور الوسطى ؛ ولكن لايمكن تعميمه على جميع العصور والأجناس والقصص والروايات الأدبية.
وأفضل شخصيا استعمال مصطلح( Picaresque) البيكاريسك بصيغته الأجنبية أو ترجمته بأدب الشطار أو أدب المغامرات والمحن الجريئة والمخاطر البطولية أو بأدب الصعلكة والتمرد على الواقع الرسمي السائد الذي تتفاوت فيه الطبقات الاجتماعية بطريقة غير عادلة ولاشرعية.
ب- مميزات الرواية البيكارسكية:
ومن خصائص ومرتكزات الشكل الروائي البيكارسكي وتيماته الأساسية:
1- الرحلة بمغامراتها ومفاجآتها العديدة.
2- صعلكة البطل وعطالته وتمرده على الواقع الرسمي والمؤسساتي.
3- مواجهة البطل لمجموعة من المحن والمكائد.
4- الطابع الاوطبيوغرافي( السيرة الذاتية أو الأطبيوغرافية).
5- التمرد والتشرد والاحتيال الشطاري.
6- المعاناة من التهميش والاغتراب و الفقر والظلم والانطواء على النفس.
7- التهجين الأسلوبي وشعبية الملفوظ والتقاط اليومي المبتذل.
8- الأسلبة والباروديا والسخرية والضحك الماجن والمفارقة.
9- الواقعية الانتقادية في هجاء الواقع والناس و اعتماد الثورية في تحدي أعراف الواقع ومواجهة قيمه المبتذلة.
10-الإباحية والاحتيال وجدلية الذاتي والموضوعي.
11-الصراع بين القيم الأصيلة والقيم المنحطة.
12-الانطلاق من فلسفة العبث والسأم والقلق الوجودي والضياع التشردي.
ج- التخييل البيكارسكي ( الشطاري في الغرب):
ازدهرت الرواية الشطارية أو البيكارسكية في أوربا الغربية في القرنين: السادس والسابع عشر خاصة في إسبانيا. ويعرف القرن السادس عشر(القرن الذي ظهر فيه البيكارو) في إسبانيا بالعصر الذهبي(Siglo de Oro)؛ " لأنه عرف نشاطا واسعا في الحق الثقافي. أما على الصعيدين السياسي والاجتماعي، فإن الطبقتين الحاكمة والوسطى كانتا تتمتعان بعيش رغيد على حساب الطبقة الدنيا التي كانت تعاني من قساوة الحياة وقمع السلطة. وأدبيا ، كان يطغى على الكتابات الشعرية والنثرية والمسرحية طابع الرسمية حيث قامت الكنيسة بدور الرقيب واتخذت إجراءات صارمة ضد كل من انحرف عن القانون المتبع في التأليف والكتابة(Canon). وعندما ظهرت حياة لاثاريودي تورميس كان ذوق القراء في إسبانيا مطبوعا على كتابات الرواية الرعوية والرواية التاريخية- الموريسكية وروايات الفروسية والملاحم. ولما كانت حياة لاثاريودي تورميس تروي قصة فريدة وواقعية لبطل يختلف جذريا عن أبطال الروايات الآنفة الذكر استرعى ذلك انتباه القراء الإسبان على اختلاف انتماءاتهم الطبقية والسياسية"
هذا، ويسافر البيكارو الشطاري في هذا النوع من الرواية على غير منهج في سفره، " وحياته فقيرة يائسة يحياها على هامش المجتمع، ويظل ينتقل بين طبقاته ليكسب قوته، وهو يحكم على المجتمع من وجهة نظره هو حكما تظهر فيه الأثرة والانطواء على النفس، وقصر النظر في اعتبار الأشياء من الناحية الغريزية النفعية. فكل من يعارضه فهو خبيث، ومن يمنحه الإحسان خيّر".
ولم تعد الرواية البيكارسكية رواية مثالية مجردة كروايات الرعاة والفروسية( دون كيشوت لسيريفانتيس مثلا)، بل أصبحت روايات واقعية قوامها الانتقاد والسخرية والتمرد على ماهو رسمي والتنديد بقيم المجتمع ومبادئه المتهرئة المزيفة.
ويعني هذا أن الأدب البيكارسكي في أوربا ظهر كرد فعل على طغيان قصص الفروسية والرعاة كما هو مبثوث في قصة أماديس دي جولا الإسبانية، وقصة سجن الحب La carcel de amor للكاتب الإسباني سان بيدروSan Pedro، وقصة ديكاميرون للكاتب الإيطالي بوكاشيو، ومن قصص الرعاة أيضا أوكاديا للكاتب الإيطالي سّنزارSannazar.
وقد انتقل هذا الجنس من القصص إلى الأدب الإسباني والإنجليزي والألماني، ثم إلى الأدب الفرنسي على يد أونوريه دورفيه Honoré d’Urfé في قصته المسماة أستريه Astré وموت الحب لجوتيهGoethe..
ولقد تأثر بالقصة الشطارية الإسبانية الروائي الفرنسي شارل سورلCharles Sorel صاحب قصة فرانسيونFrancion التي نشرها في باريس عام 1622م. و قصة فرانسيون هجاء" للعادات والتقاليد والطبقات الاجتماعية في عهد لويس الثالث عشر. وينص هذا القاص على أن القصة الفكاهية أو الهجائية أولى أن تعد أفكارا تاريخية . وعليها بذلك أن تقترب من الحقيقة بوقوفها عند أحداث الحياة المألوفة، وبدت الحياة من ثنايا هذه الحقيقة في أنظاره- كما كانت في ملاهي موليير- أقرب إلى الشطط والجنون منها إلى الحكمة والاتزان، ولهذا كانت قصص الشطار- وهي قصص الهجاء ووصف العادات الاجتماعية- أداة لتقريب القصة من واقع المجتمع".
وقد ظهر تأثيرالبيكاريسك عند بعض الأدباء الفرنسيين واضحا عند تيوفيل دوفيوThéophile de Viau وتريستان ليرميت Tristan l’Hermite، وأدى ذلك إلى ظهور الرواية الشخصية Roman Personnel أو رواية الفرد التي تعتبر إرهاصا حقيقيا للرواية الرومانسية ذات الرؤية الأكثر واقعية " للمجتمع من الرؤية الأسطورية".
وكان لرواية تاريخ فرانسيون الحقيقي الهازل vraie histoire comique de Francion تأثير كبير على رواية لوساج Le Sage (جين بلا) التي ظهرت طبعتها الكاملة في فرنسا عام 1947م، وقصة جوتييه Gauthier موت الحب Mort d’amourالتي ظهرت في باريس عام 1616م.
وعلى الرغم من أهمية الرواية الشطارية الفرنسية ، فتبقى الرواية الإسبانية بكل جدارة مهدا للرواية الإشكالية المثالية المجردة( دون كيشوت لسيريفانتيس)، والرواية البيكارسكية ( حياة لاثاريو دي تورميس التي ألفها كاتب مجهول عام 1554م)، نظرا للظروف المتردية التي عاشتها إسبانيا على المستويات الاجتماعية( الفقر-البؤس-التفاوت الطبقي…)، والاقتصادية والسياسية والثقافية التي كانت إفرازا حقيقيا لأدب المهمشين والشطار ; والمنبوذين… ونظرا لأثرها الكبير في انبثاق الرواية الغربية البيكارسكية وتشكيلها صياغة ودلالة .
د- تأثر الرواية البيكارسكية بالأدب العربي القديم:
ولم يظهر الأدب البيكارسكي في إسبانيا إلا تأثرا بالفن الشعبي العربي بالأندلس، ولاسيما ظهور طبقة اجتماعية من الشطار العرب المسلمين المهمشين المشردين الذين آثروا حياة الصعلكة والبطالة والتمرد عن قوانين المجتمع والسلطة، وكانوا يعيشون على حافة المجتمع سواء بالأندلس أم في ربوع أخرى من العالم العربي الإسلامي التي انفتحت عليها إسبانيا . ويقضي هؤلاء الشطار(Picaros) حياتهم في التسول والارتحال والغناء وممارسة الكدية والاحتيال قصد الإيقاع بالآخرين من أجل الحصول على المال أو الحب أو لقمة العيش. وكان هؤلاء الصعاليك المحتالون المرحون يسمون في الثقافة الإسبانية بالمورو Moro . وتحضر صور هؤلاء كثيرا في الرواية الشطارية الإسبانية، إذ يقول أستاذي الدكتور محمد أنقار:" لم تكن الرواية الشطارية الإسبانية تتبلور، من حيث هي نوع سردي، بعيدا عن التيارات والأنواع الأدبية كالغنائية والمسرح الشعري والقصة الموريسكية، والقصة العاطفية أو الرعوية التي حفلت كلها بصور غزيرة للمسلمين والعرب والمغاربة خلال القرنين : السادس عشر والسابع عشر.
إلا أن مما يلفت النظر في الرواية الشطارية هو ضآلة صور المورو على الرغم من أن الظاهرة الموريسكية لم تكن قد تلاشت نهائيا خلال تلك الفترة. ويتعلق الأمر على الخصوص بالروايتين النموذجتين"لاثاريو" و" تاريخ حياة البوسكون"".
وتعتبر رواية لاثاريو دي تورميس" نموذجا شطاريا في إدانة المسلم وتصوير وضعيته الرديئة حتى لدى الأوساط الدنيا، لكي يعلم الناس أن المورو لايؤدب إلا بعقابه وتوبيخه وصده عن غيه".
ولكن السؤال الذي ينبغي طرحه كما يطرحه الأدب المقارن هو: هل تأثرت الرواية البيكارسكية الإسبانية بأدب المقا