مقالات ماركيز: المترجمون الطيبون المساكين

كتبهاتوفيق البوركي ، في 4 مايو 2008 الساعة: 12:55 م

 

نص: غابرييل غارسيا ماركيز
ترجمه عن الاسبانية: وليد سليمان
walid-soliman.blogspot.com

لقد قال أحدهم إن الترجمة هي أفضل طريقة للقراءة. أعتقد أيضا أنها أصعبها وأكثرها جحودا وأقلها ربحا. المترجم خائن
TRADUTTORE, TRADITORE، تقول اللازمة الايطالية الشهيرة، مفترضة أن من يترجمنا يخوننا. وقد كشف موريس إدغار كواندرو، الذي يعتبر واحدا من المترجمين الأكثر ذكاء وسخاء في فرنسا، في مذكراته الشفوية، عن أسرار تتعلق بالكواليس تسمح لنا بأن نظن العكس. “المترجم هو قرد الروائي”، قال، محورا مقولة مورياك، وكان يعني بذلك أن المترجم يتعين عليه القيام بنفس الحركات واتخاذ نفس أوضاع الكاتب، سواء أعجبته أم لا. ولم تكن ترجماته إلى الفرنسية لروائيي أمريكا الشمالية، الذين كانوا شبابا وغير معروفين في زمنه- وليام فوكنر، جون دوس باسوس، إرنست همنغواي، جون شتاينبك- لم تكن فقط إعادة خلق رائع، ولكنها أيضا قدمت في فرنسا جيلا تاريخيا يعتبر تأثيره بين معاصريه الأوروبيين- بما فيهم سارتر وكامو- أكثر من جلي. وبذلك لم يكن “كواندرو” خائنا، ولكن العكس تماما: متواطئ رائع. ومثلما حدث مع المترجمين الكبار في كل الأزمنة، حيث يمر إسهامهم الشخصي في العمل المترجم دون أن ينتبه إليه أحد، في حين يتم تعظيم النقائص.
عندما نقرأ لكاتب في لغة غير لغتنا تتملكنا رغبة شبه طبيعية في ترجمته. وذلك مفهوم، فمن بين متع القراءة – مثل الموسيقى- هناك متعة تقاسمها مع الأصدقاء. وربما يفسر ذلك أن مارسيل بروست قد مات دون أن يحقق إحدى رغباته المتكررة، والمتمثلة في ترجمة شخص غريب بالنسبة إليه مثل جون رسكين من الانجليزية. هناك كاتبان من بين كل الكتاب يحلو لي أن أترجمهما لمجرد متعة فعل ذلك هما “أندري مارلو” و”أنطوان دي سان اكزوبيري” اللذين لا يتمتعان، والحق يقال، بأقصى تقدير من قبل أبناء بلديهما الحاليين. ولكن ذلك لم يتجاوز الرغبة أبدا. وفي المقابل، أترجم منذ مدة طويلة قطرة قطرة “أناشيد” جاكومو ليوباردي، ولكنني أفعل ذلك خفية في ساعات فراغي القليلة، مع الوعي التام بأن ذلك لن يكون الطريق الذي يؤدي بنا إلى المجد لا ليوباردي ولا أنا. وأنا أفعل ذلك فقط كواحدة من تسليات الحمام تلك التي يسميها الآباء اليسوعيون لذات متوحدة. ولكن مجرد المحاولة كانت كافية بالنسبة إلي كي أدرك كم هو صعب، وكم يتطلب منافسة المترجمين المحترفين من انكار للذات.
من غير المرجح كثيرا أن يرضى كاتب عن ترجمة لأحد أعماله. في كل عبارة، في كل جملة، في كل تأكيد في الرواية نكاد نجد دائما مقصدا آخر خفيا لا يعرفه إلا الكاتب. لذلك لا شك أنه من المحبذ أن يشارك الكاتب نفسه في الترجمة قدر الإمكان. وفي هذا السياق، هناك تجربة تستحق الذكر وهي الترجمة الاستثنائية لـ”عوليس”، رواية جيمس جويس، بالفرنسية. وكانت المسودة الأولى المبدئية قد قام بها كاملة وبمفرده “أوغيست موريل” الذي اشتغل بعد ذلك إلى غاية النسخة النهائية مع فاليري لاربو وجيمس جويس نفسه. وكانت النتيجة عملا رائعا بالكاد تتفوق عليه – حسب شهود مطلعين- ترجمة “أنطونيو هوايس” إلى برتغالية البرازيل. والترجمة الوحيدة بالاسبانية، في المقابل، هي غير موجودة تقريبا. ولكن قصتها تصلح لأن تكون عذرا لذلك. فقد أنجزها لنفسه، لمجرد التسلية، الأرجنتيني “ج. سالاس سوبيرات”، الذي كان في الأصل خبيرا في التأمين على الحياة. وقد اكتشفها الناشر سانتياغو رويدا، من الأرجنتين، في ساعة شؤم، ونشرها في نهاية الأربعينات. والواقع أنني عرفت “سالاس سوبيرات” قبل بضع سنوات في كاراكاس خلف مكتب بلا اسم لشركة تأمينات، وقضينا ظهيرة رائعة متحدثين عن الروائيين الانجليز الذين يكاد يعرفهم من الذاكرة. والمرة الأخيرة التي رأيته فيها كانت تشبه الحلم: كان يرقص، وقد تقدمت به السن كفاية، متوحدا أكثر من أي وقت مضى، خلال العجلة المجنونة لكرنفال “بارانكيا”. وكانت رؤية غريبة إلى درجة أنني قررت عدم تحيته.
هناك ترجمات أخرى تاريخية، وهي تلك التي أنجزها “جان أوبري” و”فيليب نيل” لروايات “جوزيف كونراد”. وولد هذا الكاتب الذي يعتبر من أكبر الكتاب في كل العصور- واسمه الحقيقي جوزيف تيودور كونراد كورزينيوفسكي- في بولندا، وكان والده مترجما لكتاب انجليز من بينهم شكسبير. وكانت اللغة الأساسية لكونراد هي البولندية، ولكنه تعلم منذ نعومة أظفاره الفرنسية والانجليزية، وتوصل إلى أن يكون كاتبا باللغتين. واليوم يعتبر، سواء كان ذلك مبررا أم لا، واحدا من معلمي اللغة الانجليزية. ويروى أنه قد جعل حياة مترجميه الفرنسيين لا تطاق محاولا فرض إتقانه عليهم، غير أنه لم يقرر أبدا أن يترجم نفسه. وهذا غريب، غير أننا لا نعرف كتابا كثيرين مزدوجي اللغة فعلوا ذلك. والحالة الأقرب بالنسبة إلينا هي حالة “خورخي سمبرون”، الذي يكتب نفس الشيء بالاسبانية أو الفرنسية، ولكن دائما على حدة. وهو لا يترجم نفسه أبدا. وماهو أغرب حتى من ذلك هو الايرلندي “صامويل بيكيت”، الحائز على جائزة نوبل في الأدب، الذي يكتب ذات العمل مرتين، ولكن الكاتب يصر على أن كل منهما ليس ترجمة للأخر، وإنما هما عملان مختلفان بلغتين مختلفتين
.

 وليد سليمان

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر