دور الإعلام والفنون في النهوض بالفصحى ومواجهة التغريب والعامية -3-

كتبهاتوفيق البوركي ، في 17 أبريل 2008 الساعة: 14:17 م

د. علي لغزيوي*

الإعلام والفنون أسلحة ذات حدين:
لاخلاف في أن الإعلام والفنون تعد من أهم وسائل التواصل في عالم اليوم، ولا سيما أمام الانفجار الإعلامي والقفزات التقنية المتوالية في مجال المعلوميات، وتعدد القنوات الفضائية، وتنوع منابر الإعلام الحديثة، فضلا عن الوسائل القديمة المحافظة، مع مايلاحظ من سرعة في الانتشار، وتنافس إبلاغ الخطاب،  ومما لاشك فيه أن هذه الإنجازات الحديثة تعد مكسبا للإنسانية جمعاء، كما أنها عامل تقارب وتفاهم إذا ما أحسن توظيفها وترشيدها.
وإذا كانت أمتنا إلى اليوم لاتعدو أن تكون مستهلكة، ولم تستطع بعد أن تشارك في إنتاج هذه التقنية([15])، فإن الأخطر من ذلك يتمثل في الحمولة التي تتولى مختلف وسائل الإعلام ومختلف الفنون إيصالها إلى مجتمعات أمتنا، فكثير منها، بل معظمها مخالف، بل مناقض لمقومات هويتنا، ومن المؤسف أنه لايتم التنبه إلى الجرعات ولا إلى اللوحات التي تمر عبرالإشهار أو البرامج المتنوعة، إلى مختلف الأجيال من الجنسين، ولعل الأكثر خطورة هو أن ذلك لا يتم في الغالب إلا بلغة أجنبية، وهذا ضرب من الغزو الفكري وتشجيع على الاستغراب من ناحية، أو بلهجة محلية لجهة ما، وهذا إهمال للفصحى وترسيخ للنزعة الإقليمية من جهة أخرى، ونادراً ما تكون اللغة العربية الفصحى هي الأداة المستعملة، وهذا يؤكد استمرار هيمنة الغزو الثقافي، وتنوع تحدياته لمشاعر أبناء الأمة وقيمهم في عقر دارهم، من جهة، وأما لجوء معظم وسائل الإعلام العربية نفسها إلى تبني اللهجات وسيلة للإبلاغ بدل العربية الفصحى، لا في حالة الإنتاج، ولا في حالة الترجمة في الغالب، فمما يؤكد عدم الوعي لدى عدد من المنتجين والساهرين على تسويق المنتوج الفني بخطورة النتائج والانعكاسات المترتبة على ذلك من جهة أخرى، وهذا مما قد لا تستحضر عواقبه الوخيمة إلا بعد أجيال.
العلاقات الجدلية بين الأجيال والفنون :
ومما يزيد من فداحة الأمر، تلكم العلاقة الجدلية بين الإعلام والفنون، فأحدهما يخدم الآخر إلى حد كبير، فالفن يصل اليوم إلى أي جهة من أنحاء العالم الذي تضاءلت فيه المسافات في وقت وجيز، وعلى مدار اليوم دون توقف في الغالب.
والنتيجة تتمثل في الخسائر الفادحة التي تتكبدها الأمة دون ذنب من أبنائها، فهي من ناحية لاتزال ضحية للغزو الفكري الذي يخرب عقول أبنائها، ويسهم في تحقيق الانفصام في شخصيتهم، بما يتبع ذلك من تمرد تدريجي، وتنكر للقيم الأصيلة ولو عن غير وعي، وإهمال لكل مايوحد أو يشدُّ من أزرالأمة، وفي مقدمة تلك العناصر والمكونات العربية الفصحى باعتبارها لغة القرآن، هذا فضلا عن تفشي ضعف نزعة الحياء، والتعود على ما يخالف مقومات هوية الأمة، لأن الخطاب الذي يضطلع الإعلام بإيصاله، من خلال مختلف برامجه ووصلاته المتنوعة، يُساعد على ترسيخ ذلك في النفوس، إما بدافع التقليد، وإما بتأثير من التكراروالتفنن في تلوين الحمولة وتشكيلها، والإغراء الكبير بتقبلها، لتغدو بالتدرج وكأنها من الأمور العادية، أو مسلمة من المسلمات.
ومن هنا كان الإعلام بمختلف أنواعه، والفنون على تعدد أشكالها وقوالبها، أسلحة ذات حدين، يمكنها أن تضطلع بعدد من الأدوار الإيجابية لصالح الأمة وأبنائها، ويمكنها أن تكون في الوقت ذاته أدوات للهدم والتخريب، أوالتفريق وتوسيع الهوة بين مجتمعات الأمة الواحدة، وما أخطر هدم العقول وتخريب الأفكار، لأن التئامها صعب وعسير، وقد يكون مستحيلا، خلافا لهدم العمران الذي يمكن ترميمه بسهولة.
انعكاسات سلبية :
ويكفي تتبعُ عادات أبنائنا وبناتنا اليوم، وفي مقدمتها العادات اللغوية، ورصد ما يقومون به من أعمال وممارسات، وتحليل خطابهم فيما بينهم، ومع أولياء أمورهم، وهو خطاب غالبا ما يتم بلغة أجنبية عند معظمهم فضلا عن اللباس المائع، والعادات السيئة، مع بذاءة المعجم اللغوي، وانحلال المجتمع، لأن المنظومة واحدة، بالإضافة إلى انتشار الجريمة، وتفشي المخدرات، وما إلى ذلك من السلبيات التي لا تحد، وكلها تؤكد تنكر مجموعة كبيرة من أبناء الأمة لقيمها وأصولها، بما في ذلك العربية الفصحى ذات التاريخ الفكري المجيد، والإنجازالحضاري المشرق.
الدور الإيجابي للإعلام والفنون :
فكيف يتحقق الدورالإيجابي للإعلام والفنون في المجتمع العربي والإسلامي؟ وكيف يمكنها الإسهام في النهوض بالفصحى ومواجهة الغزو الثقافي والفكري الذي يهدم العقول، ويخرب الأفكار، ويضعف النفوس، ويثبط الهمم، ويحدث الشروخ العميقة بين أبناء الأمة ومقومات هويتها؟ وكيف يمكنها الحد من استعمال اللهجات والعاميات المحلية التي تفرق ولا توحد؟ وتضعف ولا تقوي؟ وتباعد ولا تقارب؟.
لا ينبغي الاستسلام لما يردده بعضهم من أن تكرار استعمال اللهجات يمكن أن يساعد على إتقانها وتوحيد ألسنة الناطقين بها، فهذه مقولة لا أساس لها من الصحة، لأنها ترسيخ للنزعة الإقليمية، ودعم للذاتية الضيقة، وعون على العصبية الجهوية، وهي قبل ذلك وبعد حائلة دون وحدة اللسان، ووحدة الخطاب، ووحدة الفهم والإفهام، كما أنها حاجز دون الوحدة الشمولية التي ينشد المصلحون من أبناء الأمة تحقيقها عربيا أولا، ثم إسلاميا.
إن استعمال العامية جهويا في التعبير عن اليومي المعيش، أمر مشروع، ولكن حين يتم التشبث بالعامية بدافع من العصبية، والنزعة المتحاملة، والنية المبيتة التي ترفض كل ما يوحد، وتقف في وجه كل ما يقوي الأمة، حينئذ تغدو القضية ملغومة منذرة بالخطر، مهددة لكيان الأمة.
 وأن اللغة هي المظهر الحضاري لأي أمة، فإن السعي إلى تقريب الهوة بين العربية، ولهجاتها اليوم، بتبني عربية فصحى بسيطة ميسرة لجميع الفئات لا تحول دون فهم عامة الناس للمراد في مختلف البيئات و المستويات لهو أمر مطلوب ومحمود، ولاسيما مع تفشي الأمية التي تكاد تتجاوز النصف من ساكنة العالم العربي والإسلامي في بعض الجهات، وتلك آفة أخرى، وسلبياتها عديدة، وانعكاساتها كثيرة وخطيرة على حياة الأمة في عصرنا هذا.
إن الأمية لعقبة كأداء تقف في وجه تحقيق الوحدة اللغوية بين شعوب العالم العربي والإسلامي، وتحول دون التطور الثقافي، أو الارتقاء بالمستوى العلمي ولغته الفصحى الموجهة، ولذلك فإن المؤسسات الرسمية لتجاوز هذه المعضلة والقضاء عليها، ينبغي أن تقوم بالدور المنوط بها لمواجهة هذه العقبة ومن المؤكد أن الإعلام والفنون يعدان معا وسيلتين ناجحتين في تحقيق هذا الهدف النبيل، بما يعتمدانه من وسائل الإقناع والتأثير والجذب، وفق مخطط منهجي عام، ولكونهما يتآزران ويتضافران، ويخدم أحدهما الاخر، ويزيد من سحره وفاعليته.
فكيف يمكن للإعلام والفنون خدمة الفصحى ونشر لغة مشتركة ميسرة للجميع؟
لغة الأداء في الفنون بين موقفين:
إن تحقيق هذا الهدف مرتبط بطبيعة الفنون والإعلام في آن واحد، ومدى تغلغلهما في النفوس، ولاسيما مع شدة تأثيرهما وقوة سلطتهما، إذا ما تم الاقتناع بذلك لدى الفاعلين وأصحاب القرار في هذا المجال، وتوحدت الإرادة السياسية مع توجه الرأي العام، وهذه نماذج من الآراء التي تتبنى هذا الموقف.
يقول الأستاذ عبد الله الطنطاوي في تقديمه لديوان الشاعر عبد الله عيسى السلامة، متحدثا بإيجاز عن أهمية الفنون وحاجة المجتمعات الإنسانية إليها، لما لها من أدوار ووظائف متعددة.
لست أدري ما إذا كان في دنيانا مَنْ يُماري في أهمية الفن بعامة، والأدب بخاصة، في نشر الأفكار والمبادئ والتبشير بها، خاصة ونحن نرى الكثير من المذاهب الفكرية والفلسفية والسياسية تنتشر في أوساطنا ومجتمعات مثقفينا عن طريق الفن، قصة ومسرحية وشعرا وتصويرا وموسيقى…([16]).
فإذا توحدت لغة الفنون، تهيأت الظروف لخدمة هذه اللغة والارتقاء بها، وكان في ذلك حفظا له، لأنه يكسبها قدرة على مواجهة التغريب والغزو الفكري، وحينذاك تستطيع أن تفرض نفسها على المجتمع، وتواجه التحديات. وما يهمنا في هذا المجال هو لغة الأداء في الفنون، وما يرتبط بهذا الموضوع من إشكالات، ولا نقصد هنا ما يتخلل لغة الإعلام والفنون من أخطاء فادحة شائعة تتجاهل قواعد اللغة وضوابطها، فهذا موضوع آخر، بقدر ما نهتم بلغة الأداء التي يتحقق بها التواصل من حيث طبيعتها، ونعني بها الفصحى بالذات.
لقد أثارت لغة الأداء في الفنون جدلا واسعا أدى إلى انقسام وجهات النظر لدى الأدباء والنقاد والدارسين بصفة عامة، وإلى اختلاف المواقف من هذه اللغة وطبيعتها لدى معظم الدارسين والمهتمين، ويهمنا منها في المجال الذي نحن بصدده موقفان لم ينتهيا إلى الآن، ولم يتم الحسم فيهما بعد إلى اليوم.
أولهما: يدعو إلى المزاوجة بين الفصحى والعامية، ولا سيما في الحوار الذي نتوسل به الفنون، كما هو الشأن بالنسبة للقصة والرواية والمسرحية، حتى يتحقق الاتصال بين الأديب المنتج والجمهور القارئ على أوسع نطاق.
ثانيهما: معتدل، يتشبث بالعربية الفصحى وحدها، باعتبارها لغة الأداء المناسبة في هذه الفنون الثلاثة وفي غيرها، مع إمكان تبسيطها في عملية السرد، وكذلك في الحوار الذي يدور بين الشخصيات، ليكون مطابقا لواقعها ومستواها. ولا نريد أن نعرج على مواقف أخرى لا تخلو من تشدد في هذا الاتجاه أو ذاك([17])، وإنما نقف عند هذين الاتجاهين لما فيهما من اعتدال، ولكن لا لنقف من خلالهما على طبيعة الصراع الذي كانت تثيره هذه القضية ولازالت بين مجموعة من المدافعين عن هذا الموقف أو ذاك، بما يرتبط بذلك من حساسية وأبعاد ودلالات وانعكاسات متعددة، بل من أجل إبراز أهمية الفنون في توحيد الأمة إن هي خاطبت أبناءها بلغة واحدة راقية، تحقق التفاهم والتواصل بدون أي حواجز، وليس أفضل من الفصحى أداة للخطاب والبيان، وللتلقي والتبيُّن.
ومثل ذلك يمكن أن يقال عن الإعلام وطبيعة اللغة التي يتوسل بها في إبلاغ خطابه إلى الجماهير التي غدت متسعة مع تعدد الأقمار الاصطناعية وكثرة القنوات الفضائية، وتسابق القنوات العربية والإسلامية إلى الاندماج في هذه المنظومة، ولا سيما بالنسبة لبرامجها الموجهة إلى الأمة بأسرها، إذا كانت لها بالفعل برامج خاصة، وأخرى عامة، وأهداف محددة.
وهذا على سبيل المثال رأي واحد من الدارسين الممثلين للاتجاه المعتدل، هو الأستاذ أنور المعداوي الذي عرض لطبيعة الخلاف بين أصحاب الموقفين، وأبرز دور اللغة وطبيعتها في تقوية التواصل، فقد قال مشيرا إلى أهمية اللغة، وإلى طبيعة الإشكال في هذا الخلاف ولا سيما بالنسبة للفنون:
"محور الخلاف الذي تدور حوله المعركة هو اللغة، اللغة التي يعبر بها كاتب القصة وكاتب المسرحية، إنها خيط الاتصال بين الأديب المنتج والجمهور القارئ، وإذا ما تعرضت هذه الخيوط الاتصالية لبعض ألوان  التعقيد في النسيج الفني تعقدت معها بالتبعية عملية التجاوب الفكري والشعوري بين جهاز الإرسال والاستقبال، أعني بين منتج الفن ومتذوق الفن"([18]).
وبعد تشخيص طبيعة هذا الخلاف يعبر الأستاذ أنور المعداوي عن رأيه، ويحدد موقفه بكل وضوح وشجاعة، معلنا تشبثه بالفصحى في هذه الفنون جميعها، معللا الاتجاه الذي يتبناه وينادي به ويدعو إليه في السرد والحوار قائلا:
"نحن في اتجاهنا النقدي الذي ننادي به، نرى أن تكون عملية السرد في القصة باللغة الفصحى، على أن تكون مبسطة، بحيث لا يصعب فهم تعبير معين على رجال الشارع أو أنصاف المتعلمين.
أما الحوار الذي يدور بين الشخصيات، سواء أكان ذلك في القصة أو المسرحية، فيجب أن يكتب بنفس اللغة التي تنطق بها الشخصيات في الواقع المعيش، أو بتعبير آخر، بلغة حياتها اليومية، ولنا من وراء ذلك هدف مزدوج، هو أن نضمن سلامة المفهوم الفني لعملية التصويرالقصصي من جهة، وسلامة التحقيق الفعلي لظاهرة التجاوب الجمهوري مع مضمون الأدب مـن جهــــة أخرى"([19]). أما لماذا كانت القصة والمسرحية بالذات أكثر من غيرهما ميدانا للخلاف أو ميدانا للمعركة؟ فتساؤل وجيه يطرحه الكاتب نفسه ثم يجيب عنه بقوله: "لأنها أكثر فنون الأدب على الإطلاق رواجا في عصرنا، وأصدقها تعبيرا عن الواقع الاجتماعي للشعوب، وأبعدها دلالة على المستويات النفسية والعقلية للجماهير، وأحقها تبعا لذلك بتحمل الدور القيادي الذي يمكن أن يؤديه الأدب للفرد والمجموع"([20]).
وأما لماذا تبنى اللغة الفصحى في هذه الفنون، مع مراعاة التبسيط؟ فيرجعه هذا الناقد نفسه إلى ضرورة تفنيد فنون الاتهام التي تنطلق من أفواه المعارضين الذين يشجعون اللهجات الجهوية والدارجة المحلية من جهة، ومن جهة أخرى لسدِّ الطريق أمام كل عاجز عما يسميه الأداء البليغ لاستعمال اللهجة فيغدو واحدا من حملة الأقلام، وهو يرى في هاتين الحالتين معا خطرا "على وحدة الفهم المشترك بين القراء العرب، وهي الوحدة التي تحققها لهم تلك اللغة الفصحى التي يعبر بها الأدب في كل أقطار العروبة… وذلك لأن اختلاف اللهجات المحلية بين قطر وآخر، كفيل…بأن يخلق مجموعة من حواجز التمثل المعنوي للتعبير بين كاتب من هنا وقارئ من هناك"([21]).
وبالإضافة إلى ما سبق ذكره من أبعاد وأهداف وحدودية، يؤكد الأستاذ المعداوي بكل قوة صلاحية اللغة الفصحى في هذا المجال، باعتبارها اللغة الملائمة للمسرحية الأسطورية والتاريخية بدون جدال([22])، والوسيلة الأدائية المناسبة للحوار أيضا.
وبالنظر إلى هذه الاعتبارات جميعها فهو يلح على ضرورة استعمال اللغة الفصحى في الفنون مع التشبث بها بالمواصفات التي سبق ذكرها، وأما ما يقترحه من تبسيط في إطار الفصحى، فلا يتنافى والجمال، بل هو يرى أن الجمال يتنافى مع التعقيد والغموض والمساحيق الزخرفية اللفظية التي تسيء إلى الأسلوب([23]).
ولأن اللغة الفصحى عامل توحيد، وأداة تواصل وتفاهم بين جميع أبناء العالم العربي، فإن الأستاذ أنور المعداوي متفائل بالمستقبل الذي ستذوب فيه الحواجز من لهجات وغيرها، لتعم الفصحى أرجاء الوطن العربي، وستضطلع الفنون حينذاك بالدور البارز في تحقيق هذا الهدف الذي يصوغه بقوله:
"ونحن نومن بأن المستقبل القريب سيحطم من تلقاء نفسه كل الحواجز الفاصلة بين القراء العرب، يوم أن تصبح الوحدة المرتقبة بين الأقطار العربية عاملا جوهريا من عوامل الاتصال في مختلف ألوانه، ومنها الاتصال اللغوي الذي يحقق وحدة الفهم المتبادل… وعندئذ يستطيع الكاتب القصصي أو المسرحي مهما كانت جنسيته العربية أن يخاطب القراء العرب في كل بقعة من الوطن الكبير باللغة الفصحى… " ([24]).
وهذه الحقيقة الساطعة التي يتجاهلها دعاة التفرقة، والمتشبثون باللهجات، والمستغربون، نجد عددا من كبار دعاة الإصلاح المتفانين في تحقيق وحدة الأمة، ومجموعة من كبارالمجمعيين أيضا يتبنونها ويدافعون عنها، وفي مقدمتهم الدكتور إبراهيم بيومي مدكور المعروف بتجربته الواسعة في مجال اللغة والأدب، ففي بعض دراساته لجوانب من الشعر والقصة، أشارإلى مشكلتين كثيرا ما أثيرتا وكانتا موضع أخذ ورد، وهما مشكلة متن اللغة، ومشكلة تيسير الكتابة العربية، وهو يدافع عن العربية ويرفض ما رُميت به من قصور، ويرده إلى أبنائها لا إليها([25])، ويتطلع إلى تقريب الهوة بين لغة التخاطب ولغة الكتابة في الفنون، ويعبر عن ذلك بقوله، رابطا بين الإعلام والفنون:
"ونرقب أن تقترب ما أمكن لغة التخاطب مع لغة الكتابة، وأن تتوثق الوشائج بين الناطقين بالضاد في مختلف الأقطار، وأن تتضاءل الفوارق بين اللهجات، ذلك لأنَّا نعيش في عصر التعليم والثقافة الشعبية، في عصر الصحافة والسينما، في عصر الإذاعة والتلفزيون، فتُكافح الأمية ويُنشر التعليم في مختلف البلاد العربية"([26]).
ويبدوهذا الباحث متفائلا جدا بإمكان تحقيق ذلك التقارب الذي سيكون لصالح الفصحى، ويرى أننا نستطيع ذلك "إن أردنا أن تستعيد العربية مكانتها التي حظيت بها في الماضي، وأن تؤدي رسالتها كاملة بين اللغات العالمية الكبرى"([27]). "ولاسيما وهي ليست لغة عادية، لأنها لغة الدين والدنيا، والعبادة والسيادة، وإذا كانت اللغة، كما يقول هذا الباحث نفسه، تستمد قداستها من وحي السماء، أو من إجماع أهل الأرض، فإن العربية قد جمعت بينهما معا، فبها أنزل القرآن وبها حفظ، ونشأت حوله دراسات لغوية متنوعة، وهناك طقوس دينية لابد للمسلم أن يستخدم فيها ألفاظا وجملا عربية، كيفما كانت لغته الوطنية"([28]).
وهذا ما يجعل العربية الفصحى لغة عالمية تبعا للإسلام الذي يعد دينا عالميا، وهذا ما يجعل استعمالها يتجاوزحدود البلاد العربية ليعم جميع أنحاء العالم، وإلى ذلك يشير الدكتور إبراهيم بيومي مدكور أيضا حين يؤكد " أن اللغة العربية كانت لغة عالمية منذ عهد بعيد، وفي وسعها الآن ألا تقف عند العالم العربي، وأن تمتد إلى بنيات ومجتمعات أخرى في آسيا وإفريقيا"([29]).
ونعتقد أن منظمة الإيسيسكو مؤهلة للقيام بهذا الدور النبيل، لتكون وسيطا في اضطلاع الأمة العربية بتعريب الأمة الإسلامية، بل وفي نشر العربية في جميع أنحاء العالم.
من الفنون إلى الإعلام : (اقتراح)
على الرغم مما سبقت الإشارة إليه وتم تأكيده من أن العلاقة بين الفنون والإعلام قائمة على التكامل، لأن أحدهما يخدم الآخر، فإنه لابد من التمييز بين نصيب كل منهما، فإن كان الإبداع في مختلف الفنون قد حقق مستوى رفيعا من حيث الكم والكيف، فإن الأمر ليس كذلك في مجال الإعلام، لأننا في وطننا العربي والإسلامي عامة لا نعدو أن نكون مستهلكين، بل يكاد إعلامنا يكون موجها من قبل الإعلام الوافد الذي لا يتورع عن خلخلة التوازن الاجتماعي والقيم الثقافية الداخلية للأمة.
وإذا كنا قد ألفنا الحديث عن الغزو الثقافي فإن هناك أيضا غزوا إعلاميا لا يتورع عن تشويه حضارتنا، ولكن على الرغم من وعينا بهذا الأمر فإننا متمادون في مسيرتنا العادية، دون أن نتجرأ على التغيير أو التعديل، إلا على نطاق ضيق جدا، وهذا التنبيه مزدوج من حيث مصدره ومن حيث الجهة التي يوجه إليها، فالغزو الإعلامي يغزونا في عقر دارنا، وهو في الوقت نفسه يسعى إلى تشويه صورتنا وحضارتنا في الغرب عند الآخر أيضا، ويكفي أن نقوم برصد صورة العالم العربي والإسلامي في الإعلام المعاصر"([30])، للوقوف علي جوانب كثيرة من هذا الواقع المؤلم.
وإذا حصرنا الموضوع فيما نحن بصدده، سنجد قضية اللغة والإعلام غائبة أو تكاد، فعلى الرغم من تدارس مجموعة من القضايا الوحدوية، والمشكلات العربية والإسلامية القائمة، وإثارة عوامل الوحدة وأسباب الفرقة، فإن المسألة اللغوية تظل بعيدة عن الاهتمام، على أهميتها، ويكفي أن نطلع على التوصيات التي تضمنها البيان الختامي لآخر ندوة علمية في هذا الموضوع تم تنظيمها في المملكة العربية السعودية في موضوع: "صورة الإسلام في الإعلام المعاصر"([31]) في أواخر سنة2001. فهي تثير كثيرا من القضايا والمشكلات باستثناء قضية اللغة.
نحو نظرية إسلامية في الإعلام :
وتبعا لذلك فالواقع أن الحديث عن دور الإعلام في النهوض بالفصحى، بتضافر مع الفنون، يفضي إلى اقتراح مشروع متكامل في هذا المجال، يقوم على مجموعة من الدعائم التي تقوي دوره، وتُرَشِّدُ مسيرته، وتوجهه ليسهم في اندماج العالم العربي والإسلامي، وتوحيد الرؤية، وتحديد الأولويات، ومراعاة المصالح العليا للأمة بواقعية ونزاهة، وهذا المشروع لا يمكن أن يكون إلا مشتركا وشاملا، ومرتبطا بمنظمة عليا مثل منظمة العالم الإسلامي، أو بمؤسسة تابعة لها مثل هيئة الإيسيسكو، لتفعيله وجعله أداة حية نابضة في حياة الأمة، وفق منهج متكامل، يستمد ضوابطه ويحدد أهدافه ووسائله من دستور الأمة ومصالحها الكبرى.
وهكذا فكما نسعى إلى نظرية إسلامية في الفنون والآداب ومختلف حقول المعرفة، يمكن أن نتحدث عن مشروع عربي أو نظرية إسلامية في الإعلام([32])، ولا شك أن إخراج هذا المشروع إلى حيز الوجود هو الذي سيضفي المشروعية على ما نتداوله من مسميات كالإعلام العربي، والإعلام الإسلامي بمختلف وسائله وأنواعه، كما سيساعد على تحقيق هذه الأهداف، وتنفيذ القرارات الخاصة بها، وقد أكد غير واحد من المختصين إمكان قيام نظرية إسلامية في الإعلام، مؤكدين أن الدعوة الإسلامية ضرب من الإعلام، فهي أيضا تنضبط بضوابط النظرية الإسلامية، وتتميز بها عن غيرها من النظريات، وكذلك الأمر بالنسبة للإعلام الإسلامي، وبذلك تكون رسالته ولغة خطابه ومنظومته العامة وأهدافه الكبرى قريبة من المتلقين بدل هذا البلبلة، ويغدو الإعلام الإسلامي ذا سلطة مؤثرة وفاعلة وموجهة، قادرة على تجاوز مشكلات الإعلام الحالي السائد في العالم الإسلامي بأسره، لا من حيث صياغة الخبر فقط، وتكييف مضمون الرسالة، ومراعاة القيم الخلقية التي تراعي مشاعر الأمة وروح الإسلام، بل أيضا من حيث اختيار لغة الخطاب والتواصل وآلياتهما، بما يخدم واقع الأمة ويقرب المسافة بين شعوبها، ويكسبها قدرة زائدة على مواجهة التحديات الفكرية، ولا سيما واللغة كما يقال هي وعاء الفكر.
________________________________________
* محافظ خزانة القرويين ـ بفاس.
(1) في اللغة والأدب: إبراهيم بيومي مدكور، ص 54، سلسلة أقرأ العدد:337 . دار المعارف بالقاهرة، يناير1971 .
(2) سورة الحجر: 9.
3) أنظر: الأمة الاسلامية في مواجهة التحدي الحضاري للدكتورعبد العزيز بن عثمان التويجري، ص 19، ومابعدها سلسلة المعرفة للجميع، رقم 3، الرباط، 1419 هـ، 1999م.
(4) أنظر هويتنا والعولمة للدكتور عباس الجراري، ص 43، ومابعدها، منشورات النادي الجراري، رقم 18، مطبعة الأمنية، الرباط، الطبعة الأولى، 1421 هـ/2000م.
(5) اللغة العربية والمسيرة التعليمية في الوطن العربي: خاشع بن شيخ إبراهيم حقي، مجلة الفيصل، العدد 312، ص 59.
(6) المرجع نفسه.
(7) المرجع نفسه، ص 59 - 60 .
(8) عن مجلة الفيصل، ع : 312، ص 61.
(9) الفيصل ع، 312، ص 61.
(10) الفيصل ع، 312 ، ص 61.
(11) نفس المصدر.
(12) عن اللغة والدين والهوية للدكتورعبد العلي الودغيري، ص 95.
(13) الإسلام والفنون الجميلة، مجلة المنهل. العدد 581، المجلد 64، العام 68، جمادى الأولى/ الثانية، 1423 هـ/ غشت ـ شتنبر 2002، ص : 27.
(14) إعجاز القرأن : 113، تحقيق السيد أحمد صقر، دار المعارف بمصر، 1963.
(15) تجدرالإشارة إلى أن ما تحقق في العصر الحديث من ازدهار في مجال الصورة، وفي مجال السينما، والتلفزيون، والفيديو، وما عن ذلك من تعدد في القنوات يعد تطويرا كبيرا لما اقتبسه الغرب من كتاب (المناظر) لابن الهيثم الذي يعد مصدرا مهما في علم البصريات، وقد ترجم إلى اللغات الأوربية وتم الانتفاع به، ولمَّا يطبع كاملا محققا في العربية.
(16) ديوان عبد الله السلامة: المقدمة.
(17) هناك من يدعو إلى التشبت بمستوى الأداء البليغ بالعربية الفصحى، ويضرب لذلك مثلا بالقصة عند محمود تيمورفقد انتقلت من طابع الفصحى المبسطة إلى طابع الفصحى المعقدة إلى درجة الإسراف، ومن ذلك روايته (مشروخ) التي قيل عنها إنها كتبت ليقرأها أعضاء المجمع / كلمات في الأدب: أنوار المعداوي: 149.
وهناك من يدعو إلى استعمال العامية دون الفصحى لاستعصائها في نظرهم لدى عامة الناس ووسطائهم
(18) كلمات في الأدب : 143.
(19) المرجع نفسه.
(20) المرجع نفسه : 142-143.
(21) المرجع نفسه : 145.
(22) المرجع نفسه : 147.
(23) المرجع نفسه : 151.
(24) المرجع نفسه : 146.
(25) في اللغة الأدب : 56، سلسلة إقرأ 337، دار المعارف بمصر، 1971.
(26) المرجع نفسه.
(27) المرجع نفسه : 62.
(28) المرجع نفسه : 59.
(29) المرجع نفسه : 61.
(30) أنظر على سبيل المثال العدد الخاص بالإعلام: الواقع والمستقبل من مجلة المنهل: العدد 577، شوال ذو القعدة 1422 هـ/ دجنبر2001، يناير 2002، وضمنه مقال للدكتور خلاف الشاذلي عن : الغزو الإعلامي والتشويه الحضاري، ص150 وما بعدها، ومقال الأستاذ العربي المساري عن: صورة العالم الإسلامي في الإعلام المعاصر، ص 86 وما بعدها، ومقالات أخرى في الموضوع.
(31) تولت تنظيم هذه الندوة رابطة العالم الإسلامي في شعبان 1422 هـ/ نونبر 2001.
(32) أنظر حوار أجرته مجلة التوحيد ـ إيران ـ العدد 99، السنة السابعة عشرة ربيع : 1420هـ/1999 مع الأستاذ تيسيرالخطيب مدير مركز الإسراء للدراسات والبحوث، ص 109 وما بعدها، في موضوع: الإعلام الإسلامي والمرحلة الراهنة، وتم التركيز في هذا الحوار على إمكان قيام نظرية إسلامية في الإعلام.

 

Copyright Wata Online © 2006 Hosted & Designed by

 

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

تعليق واحد على “دور الإعلام والفنون في النهوض بالفصحى ومواجهة التغريب والعامية -3-”



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر