دور الإعلام والفنون في النهوض بالفصحى ومواجهة التغريب والعامية -2-

كتبهاتوفيق البوركي ، في 10 أبريل 2008 الساعة: 11:33 ص

د. علي لغزيوي*

نماذج من دعوات المبشرين وأتباعهم:
لتوضيح طبيعة الموقف المتحامل على الفصحى ومعاناتها من معاول الهدم، وإدراك خلفية هذه الحملة وأبعادها، ومعرفة البديل الذي يتبناه أصحاب هذا التوجه، نقف عند نماذج من مجموعة من الآراء والدعوات عند المبشرين وأتباعهم.
لقد قامت هذه الدعوات على ثلاثة عناصر أو واجهات تتكامل فيما بينهما في موقفها من الفصحى، وتتضافر على خلق روح الإهمال حينا، والعداء حينا آخر تجاهها.
الواجهة الأولى: رمي العربية الفصحى بالقصور والعجز، ووصف قواعدها بالصعوبة والتعقيد بهدف التنفير منها.
الواجهة الثانية: الدعوة إلى استعمال العامية، لا إعجابها بها أو استحسانا، بل لاتخادها سلاحا لضرب الوحدة العربية الإسلامية، وإضعاف قوة الأمة، متمثلة فيما تحققه الفصحى من وحدة وتماسك، وهم يدركون أن الأمر لايقتصر على الألفاظ والعبارات المجردة، بل هو أبعد وأعمق من ذلك بكثير، ولا قيمة لما يدعيه أصحاب هذه الدعوات المغرضة من أن الفصحى تمثل مستوى صعب الفهم بالنسبة لبعض الفئات الاجتماعية التي تعاني من الأمية، أو ذات التكوين البسيط كالعمال والفلاحين وعامة الناس، وقد جند هؤلاء ما استطاعوا من وسائل الإعلام ذات الأثير القوي في النفوس، وعقدوا الندوات والملتقيات الثقافية، وحاوروا كبار الشخصيات من ذوي النفوذ والتأثير، وقدموا المسرحيات العامية، ونشروا الدواوين باللهجات المحلية، وأصدروا الكتب والدراسات وأضفوا عليها الطابع العلمي تمويها منهم، وخصصوا الجوائز التقديرية والتحفيزية لمن التزم بخطهم وسار في دربهم.
الواجهة الثالثة : إغراء الشباب الصاعد من أبناء الوطن العربي والإسلامي باستعمال اللغات الأجنبية بديلا للعربية الفصحى، وتنظيم المسابقات وتخصيص الجوائز لمكافأة المتفوقين في تلك اللغات، وربط دواليب دواوين الدولة بالغرب ولغاته، حتى يبدو الأمر وكأنه ضرورة حتمية لامناص منها.
خطورة هذه الأهداف:
وتبدو هذه الأهداف خطيرة جدا في هذا المجال، لأن إهمال الأمة للفصحى أوعدم استعمالها يعني سجنها، أو التقاعس في خدمتها والارتقاء بها، والوقوع ضحية التغريب أو الاستغراب، وتفضيل لغة الآخر بديلا، ومن شأن ذلك كله أن يجعل الأمة في هذه الحالة ضحية للتشتت، وفريسة للضعف، وذات قابلية للتنكر لمقومات هويتها.
وقد أدرك خصوم الفصحى خطورة دعواهم فراحوا يهيئون النفوس لتبنيها، فألفوا وكتبوا وحاضروا ووظفوا مختلف وسائل الإعلام المتاحة، ووجهوا الفنون توجيها منحرفا لخدمة أهدافهم، إلى غير ذلك من جهودهم ومواقفهم، ويكفي أن نستحضر هنا، على سبيل المثال لا الحصر، جهود الدعاة إلى تبني العامية في البلاد العربية، فقد بدأت في مصر على يد بعثات المبشرين، وفي مقدمتهم المبعوث البريطاني وليم ولككس منذ سنة 1883م، وقد عمل مهدنسا للري بالقاهرة في الظاهر، ولكنه كان مبشرا في الوقت ذاته، وفي لبنان كان هناك المستشرق الفرنسي لويس ماسينيون الذي كان مستشاراً لوزارة الخارجية الفرنسية لشؤون المستعمرات في المشرق العربي، وكان هناك وليام جيفور دبلغراف الذي تبنى هذه الدعوة ونشرها كذلك، والقائمة طويلة، ولايختلف المغرب عن المشرق في تفشي هذه الدعوة الهدامة، غير أن الأخطر من ذلك هو تبني أبناء العروبة لدعوات المستشرقين والمبشرين، وسعيهم الحثيث بكل جرأة إلى التصريح عبر وسائل الإعلام، وخلال كتاباتهم وتآليفهم ومحاضراتهم إلى نشر أفكارهم على أوسع نطاق، ويكفي أن نذكر من بين تلامذتهم عبد العزيز فهمي الذي دعا إلى التخلي عن الحروف العربية وتعويضها باللاتينية كما فعل كمال أتاتورك في تركيا، بل ذهب عبد العزيز فهمي إلى أبعد من ذلك حين تحدث عن صعوبة العربية ومشقاتها على الناس، وجعل ذلك سبب من أسباب تأخر الشرق، فقال " هذه المشقة تحملني على الاعتقاد بأن العربية من أسباب تأخر الشرقيين، لأن قواعدها عسيرة ورسمها مضلل" ([8]).
وهناك غيره، مثل سلامة موسى، وأنيس فريحة، وسعيد عقل، وميخائيل الصباغ صاحب كتاب (الرسالة التامة في كلام العامة) وكتاب (المنهاج في أصول الكلام الدارج).
وأما أقوالهم التي تعكس حقيقة دعواهم فكثيرة ومتنوعة، فهذا سلامة موسى ينطق بلسان أستاذه المبشر المهندس وليام ولككس، ويجمل دعوته بقوله: " والهم الكبير الذي يشغل بال (السيرولككس) بل يقلقه هو هذه اللغة التي نكتبها ولانتكلمها، فهو يرغب في أن تهجر ونعود إلى لغتنا العامية فنؤلف بها وندون بها علومنا وآدابنا" ([9]).
الأهداف وخلفيتها :
وهكذا تلتقي المدافع والطعنات من الحصون الخارجية والداخلية، باحثة عن تحقيق الأهداف وإصابة المقتل، وأما الأهداف فقد أجملها أحد المبشرين بدهاء وجرأة لا مزيد عليهما، وهو وليام جيفور د بلغراف، حين صرح بمكنون فؤاده، منبها على ما للقرآن ومكة من دور كبير في وحدة المسلمين وقوتهم، وهو ما يود فصلهم عنه ليندمجوا في الحضارة الغربية كما يدعي قائلا:
"متى توارى القرآن ومدينة مكة عن بلاد العرب يمكننا عندئد أن نرى العربي يتدرج في سلم الحضارة التي لم يبعده عنها إلا محمد وكتابه" ([10]).
وذلك يؤكد أن أصحاب هذا الموقف قد تنبهوا إلى مابين الإسلام والعربية الفصحى من وشائج وروابط لا تنفصم، ومابين هذين المكونين وقبلة المسلمين من عُرى لا تبلى، وقد اعترف موريس لوجلي بأنه " ليس هناك إسلام حقيق دون نشر اللغة العربية"([11])، وذلك ما أكده المقيم العام الفرنسي بالمغرب الماريشال ليوطي حين صرح قائلا:
" إن العربية عامل من عوامل نشر الإسلام، لأن هذه اللغة يتم تعلمها بواسطة القرآن"([12]).
وإذ تأكد لديهم مدى الارتباط بين هذين العنصرين: القرآن والفصحى في حياة المسلم، راحوا يبحثون عن الوسائل الكفيلة بفصل أحدهما عن الآخر، ومحاولة إبعاده عن اهتمامات المسلمين لإضعاف الوازع الديني لديهم من جهة، وفصل أعضاء الجسم الواحد بعضها عن بعض لتوهينه من جهة أخرى.
تسرب اللهجات إلى الفنون والدور السلبي للإعلام:
غير أن هذه الجهود والمحاولات ظلت محدودة إلى حد ما، ولم تفلح ولم تحقق أهدافهم كما كانوا يتوقعون، وذلك لأسباب كثيرة، في مقدمتها سبب رئيس هو حصانة الفصحى، ولكن دعواتهم لم تحل مع ذلك دون إحداث شروخ وآثار سلبية في حياة الأمة، وقد انعكس ذلك بصفة عملية على المدى القريب وعلى المدى البعيد في آن واحد، على لغة العرب الفصحى، وتمثل ذلك بوضوح في تزايد الإقبال على استعمال اللهجات المحلية والعامية وإقحامها في عدد من الفنون، كالمسرح والرواية والقصة والشعر وغير ذلك، كليا أو جزئيا، وزاد من ترسيخ هذه الظاهرة تلحين الأشعار العامية وأداؤها على يد كبار المغنين بإيقاعات خاصة مؤثرة، لتتلقفها الأجيال من الشباب، ذكورا وإناثا، عبر وسائل الإعلام المسموع والمرئي والمقروء، فيزداد الإقبال على العامية التي تخاطب أحيانا العواطف لا العقول، وتثير الغرائز والشهوات، فضلا عن طرافة بعض اللهجات أو غرابتها، مما يغري بترديد النصوص وحفظ مقاطع منها على سبيل التقلي، أو استغراب غير المألوف، ولجأ كبار الروائيين والمسرحيين إلى المزج بين الفصحى والعامية في إبداعاتهم، كما كثر شعراء الزجل، ونتج عن ذلك لجوء عدد من المستشرقين الذين تولوا مهمة التدريس في بعض الجامعات العربية إلى توجيه طلبتهم لإجراء بحوثهم الجامعية في هذا الاتجاه لإضفاء الشرعية الأكاديمية عليها، ثم تلقفها عنهم تلامذتهم فيما بعد وتوسعوا فيها إلى أبعد الحدود.
وبالإضافة إلى هذا الأثر السلبي على الفصحى التي تكالبت عليها الحملات والاتهامات بالعجز عن مسايرة المنجزات الحديثة، علميا وصناعيا، وزعمهم عدم قدرتها على اللحاق باللغات العالمية، دون مراعاة إنجازاتها الفكرية الباهرة عبر التاريخ، وسعيهم إلى تسريب اللهجات إلى الحديث اليومي ومعظم الإدارات الرسمية، في مخاطباتها حتى لمواطنيها، ضداً على دساتيرها وقوانينها، وذلك دعما للغزو الثقافي، وتمكينا لاستمرار هيمنته، وتهييء النفوس لتقبل فكرة التغريب، والتسليم به واقعا لا مفر منه، وبذلك التقى سلاحان قويان هما: تفشي اللهجات في الفنون الإبداعية والغزو الثقافي وما يرتبط به من تغريب.
وهكذا تتضافر هذه المعاول كلها من تغريب وغزو ثقافي، ولهجات، وإشهار، وفنون، وإعلام، من أجل النيل من الفصحى، ومحاولة هدم مقومات شخصيتها، وذلك بسبب تفطنهم إلى ما تتميز به من مميزات، وما لها من فضائل نجمل أبرزها فيما يلي، لمزيد من الكشف عن الخلفيات القريبة والبعيدة لهذه الحملات.
من فضائل العربية الفصحى.
حين نتحدث عن العربية الفصحى لا نقصد تبني الاتجاه القومي، ولا التركيز على الجنس العربي، بقدر ما نريد عربية اللسان، وهي اللغة التي سادت بين أبناء الأمة الإسلامية، أتقنها العرب الذين عُرفوا بفصاحتهم، كما أتقنها الأعاجم الذين تعلموها وألفوا بها وخدموها، ولذلك فلا مجال هنا لأي عصبية عرقية أو جنسية أو قومية أو إقليمية، ولا ميزة للجنس العربي على غيره أبدا في هذا المقام، لأن الأمر ينصرف إلى اللسان العربي الذي اختاره الله عز وجل لقرآنه الكريم الذي تلقاه عنه النبي
r بواسطة جبريل عليه السلام.
والواقع أنه يصعب حصر فضائل لغة القرآن الكريم أو تحديد مزاياها، لأنها كثيرة ومتنوعة، ولذلك سنقف عند مجموعة من النماذج التي تبرز فضائلها الكبرى، ومنها أنها :
1. لغة تعبد :
إن العربية الفصحى لغة تعبد، لاتجوز الصلاة بدونها، إذ لا تقبل صلاة بغير العربية، وهذا يجعل العبادة في حد ذاتها وثيقة الصلة بحياة الإنسان وواقعه اليومي المعيش، وليست طقوسا تؤدي في يوم معلوم، بطريقة محددة، في مكان خاص، بأي لغة ولو كانت لا علاقة لها بقضايا الناس وهمومهم وثقافتهم، كما هو الشأن بالنسبة للمسيحيين الدين يتعبدون باللاتينية التي تظل معرفتها محصورة في فئات محدودة من الناس، ويظل النص المتعبَّد به بواسطة تلك اللغة جامدا لاعلاقة تربطه بالمتعبَّد، لامن الناحية الروحية ولا من الناحية المادية أو الفكرية.
ودعاة التغريب يدركون هذه الحقيقة، ويعرفون مكانة العربية الفصحى من الإسلام، ويفهمون أبعاد هذا الارتباط العضوي، ولكنهم يستكثرون انعكاساته الإيجابية الكثيرة على نفوس المسلمين وهم يستعملون هذه الفصحى ويتعبدون بها في الوقت ذاته، ولذلك يسعون إلى إبعاد العربية الفصحى من صدارة اهتمامات أبناء الأمة.
2. وسيلة لربط حاضر الأمة بماضيها دون عقدة أو انغلاق:
إن العربية الفصحى وسيلة رئيسية لربط ماضي الأمة بحاضرها، عن طريقها تتمكن الأجيال المتعاقبة من فهم تراث أسلافها، وبها تستطيع أن تتواصل مع إنتاجهم وإنجازاتهم الحضارية، ماديا وفكريا، وبواسطتها تستوعب نظرياتهم، وتغوص على أسرار تاريخهم، وتصل إلى خلاصات مصنافتهم، وتستوحي القيم الفكرية الإنسانية النبيلة التي بنوا عليها صرح الحضارة الإسلامية الشامخة المتميزة.
وإذا كان أسلاف هذه الأمة قد صانوا لغتهم وحموها وقعدوا قواعدها، ووضعوا لها الشواهد والأمثلة، وواجهوا كل محاولة للنيل منها، وضبطوا استعمالاتها بها يكفل لها الاستمرار والسلامة من كل نقص أو ضعف، وتفانوا في خدمتها باعتبارها لغة القرآن الكريم، مصداقا لقوله تعالى: )إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون( (سورة يوسف، 2).
فإنهم لم يغلقوا الأبواب، ولم يحولوا دون معرفة اللغات الأخرى، بل ظلوا منفتحين على غيرهم، يتبادلون الأخذ والعطاء، ويتفاعلون مع فكرالآخرين ولغاتهم دون عقدة أو تشنج أو عصبية، ولعل ازدهار الترجمة عبر العصور في المشرق والمغرب خير دليل على ذلك.
وإذا كان الأمر كذلك بالنسبة للسلف، فمن الواجب على الخلف، وهو ينفتح على مختلف اللغات والأفكار والتيارات، أن يظل محافظا على هذه الأمانة، متشبثا بالحرص على حماية لغته، والتصدي لكل حملة مغرضة تتوخى النيل منها، ولاسيما وهي، بالإضافة إلى كونها لغة القرآن الكريم الذي حفظه الله تبارك وتعالى مضمونا ولسانا، من أقدم لغات العالم، استعمالا متصلا منذ القديم إلى اليوم، بحيث نستطيع قراءة مختلف النصوص وفهمها منذ ماقبل الإسلام إلى حاضر الناس هذا، وستظل كذلك مستقبلا، خلافا لأي لغة أخرى، بما فيها اللغات الحية التي توصف بأنها عالمية، فقد تطورت هذه اللغات تطورا سريعا جداً، ولكن بطريقة تفصل بين ماضي هذه اللغات وحاضرها، ليس على المدى البعيد فقط، بل على بعد قرنين أو أقل، بحيث يصعب، إن لم يكن مستحيلا، على الطالب اليوم أن يفهم لغة القرن السابع عشر أو الثامن عشر في فرنسا أو إنجلترا أو غيرهما إلا بوسائل مساعدة كثيرة، فبالأحرى إن تجاوزنا تلك المراحل إلى ماهو أقدم منها.
ولسنا هنا بصدد البحث عن طبيعة هذا التطور وأسبابه وانعكاساته، بــــقدر ما نود أن نؤكد أن العربية الفصحى وإن تطورت وارتقت وأخدت وأعطت، فقد ظلت بفضل قواعدها وضوابطها وأسس التطور والاغتناء الخاصة بها حية مستمرة، مستعملة مفهومة متداولة ومواكبة للمستجدات، وإن كان أهلها قد فرطوا فيها وقصروا في خدمتها فبسبب مجموعة من الظروف القاسية والإكراهات المتعددة التي توالت عليهم، ولو بذلوا المزيد من الجهود في خدمتها لكانت اليوم أرقى مما عليه بكثير، ولعم استعمالها في جميع المحافل، والأمل كبير في الصحوة الحالية وتطلعاتها المستقبلية.
3. أداة لفهم الإعجاز البياني للقرآن الكريم وإدراك أسراره:
يجمع مفكرو الأمة قديما وحديثا على أن إدراك أسرارالإعجاز القرآني عامة، والإعجاز الفني البياني فيه خاصة، لايمكن أن يتحقق إلا بالبراعة في العربية، وامتلاك حاسة الفصاحة، أما بغير العربية فيظل الأمر مجرد ترجمة لمعاني القرآن الكريم، ولذلك فمعرفة العربية الفصحى والتشبث بها واجب على جميع المسلمين، وهذا الوجوب يلقي على عاتق الأمة العربية مسؤولية تعريب المسلمين من أصل غير عربي ليتذوقوا الإعجاز الفني الراقي في القرآن الكريم، ولتحقيق المزيد من التواصل.
وإذا كان الدكتور محمد عمارة يؤكد على سبيل المثال أن الإيمان بالإعجاز القرآني " مرهون بازدهار الحاسة إلى قيمة ملحوظة في الحضارة الإسلامية، ومن ثم فإن البداهة قاضية بأن يكون القرآن داعيا يزكي تنمية الحاسة الفنية لدى المسلمين"([13]). فإن هذه القضية على صحتها والإقرار بأهميتها لايمكنها أن تتحقق إلا بإتقان العربية الفصحى، لغة القرآن الكريم، والارتقاء بالذوق الفني لإدراك أسرارها والغوص على مكامن الجمال لدى الناظرين في البلاغ القرآني.
وقد نبه على ذلك عدد من دراسي الإعجاز القرآني من الناحية البيانية في القديم أيضاً، وفي مقدمتهم الباقلاني (ت 403هـ) الذي أكد " أنه لا يتهيأ لمن كان لسانه غير العربية، من العجم والترك وغيرهم، أن يعرفوا إعجاز القرآن إلا بأن يَعْلموا أن العرب قد عَجزوا عن ذلك، فإذا عرفوا هذا، بأن علموا أنهم تحدوا إلى أن يأتوا بمثله، وقُرِّعُوا على ترك الإتيان بمثله، ولم يأتوا به، تبينوا أنهم عاجزون عنه، وإذا عجز أهل ذلك اللسان، فهم عنه أعجز"([14]).
 وهذا لايعني أن المتعمقين في العربية من غير أهلها يعجزون عن إدراك سر الإعجاز والوقوف على مظاهره، فتحصيل القدر الكافي من العربية يجعل العربي وغير العربي في ذلك سواء، بل إن كثيرا من العجم تفوقوا على العرب، كما أن كثيراً منهم خدموا القرآن الكريم وبرعوا، في علوم الإسلام، وقدموا الشيء الكثير للغة العربية، بما حصلوه من ثقافة عربية إسلامية عميقة، أكثر مما فعل العرب الأقحاح أحيانا، وكذلك الأمر بالنسبة لأبناء العربية الذين لا يتقنونها ولا يغوصون على أسرارها، فإنهم سيظلون غير قادرين على إدراك أسرار الجمال البياني، ولايستطيعون وضع أيديهم على النماذج الزاخرة منه.
4. عامل توحيد والتئام :
إن العربية الفصحى عامل توحيد والتئام، بخلاف اللهجات الإقليمية، والعاميات المحلية التي تفرق وتؤدي إلى الاختلاف.
5. عنصر قوة:
إن اللغة الموحدة تسهم في توحيد مفاهيم العقيدة، وتؤدي إلى المزيد من التقارب والتواصل بين أبناء الأمة دون حواجز، وذلك كله يشد من عضدهم ويقوي وشائج الصلة فيما بينهم.
هذه وغيرها أسباب واضحة كانت ولاتزال وراء ما تواجهه العربية الفصحى من تحديات وهجمات متعددة، فكيف يمكن لكل من الإعلام والفنون خدمة الفصحى والارتقاء بها، ومواجهة هذه التحديات؟
تلقي الإعلام وتلقي الفنون :
يعتمد الإعلام في إبلاغ رسالته إلى المتلقي على عدة وسائل، وهي كلها فاعلة ومؤثرة، كالصورة والكلمة وما يحملانه من إيحاء وتخييل، وبغض النظر عن طبيعة الصورة ومضمونها، ومحتوى الكلمة، فإن ما يزيد الأمر تأثيرا هو التفنن في العرض، وتكرارالخطاب وتلوينه لترسيخ المراد في النفوس، وذلك على الرغم من تفاوت قابلية التلقي لدى الجمهور، بحسب المستوى الثقافي، والسن، والجنس، والمستوى الاجتماعي، والاقتصادي، والبيئة، وغير ذلك من الاعتبارات.
ازدواجية الإعلام والفن :
وإذا كان تلقي الفنون قد يتحقق مباشرة دون واسطة، كما هو الحال بالنسبة للعروض المسرحية المباشرة على خشبة المسرح، أو تلقي الشعر من منشده مباشرة، فإن الإعلام بمختلف أشكاله ووسائله يمثل في الغالب وسيلة من وسائل الإبلاغ أو الإرسال، ويساعد على توسيع دائرة التلقي، من السرعة وشدة التأثير، كالمذياع أو التلفاز أو السينما أو الصحيفة وغير ذلك من الأنواع، وهي كلها ذات تأثير سحري كبير باعتبارها أيضا وسائل للتلقي في الوقت نفسه؟
فما قيمة كل من الإعلام والفنون وما دورها في خدمة اللغة العربية؟ ونقصد العربية الفصحى بصفة خاصة؟ وكيف يتأتى لهما دعمها والنهوض بها؟ وماهي الصلة بينهما؟ وما مدى تضافرهما لأداء مهمتهما؟
لاينكر أحد ما للإعلام بمختلف وسائله وأنواعه من أدوار خطيرة في التأثير في المجتمعات وتوجيهها، ولايقتصر الأمر على الخطاب العام وأهدافه، والرسالة المتوخاة منه، باعتباره حمولة فكرية موجهة إلى فئة معينة محدودة، أو إلى عموم المجتمع، كالإشهار على سبيل المثال، من حيث طبيعته ووظيفته، بل يتجاوز ذلك فيشمل لغة الخطاب أيضا، ومن المعروف أن كثيرا من الألفاظ والعبارات تروج ويتسع تداولها بتأثير وسائل الإعلام، وما توظيفه من طرق متعددة في الإغراء والإقناع، واستهداف مختلف قوى المجتمع وإحساساته وعواطفه، عن طريق التكرار وتلوين الخطاب كما سبقت الإشارة إلى ذلك، واختيار القوالب اللغوية المناسبة مثل العبارات المسكوكة التي يرددها الناس استظرافا لها.
وعلى الرغم من اختلاف وسائل الإعلام من حيث طبيعتها وأداة خطابها، مابين إعلام مرئي، ومسموع، ومكتوب مقروء، أو مصوَّر مشاهد، فإن هناك مجموعة من القواسم المشتركة التي تتضافر فتزيد الإعلام فاعلية وتأثيرا، ليس فقط من أجل التوجيه الفكري الإيديولوجي، أو الإقناع بأمر ما، أو زيادة الاستهلاك المادي، بل بتحقيق أهداف أخرى قد تكون خفية غير واضحة للجميع.
ومن المعلوم أن مختلف وسائل الإعلام قد ارتقت اليوم وتطورت بسرعة فائقة، مستفيدة من الإنجازات الحديثة التي تحققت في المجال السمعي البصري، ومما حققته الثورة التقنية المعاصرة من إنجازات باهرة تزيد من فاعليته وتأثيره، ومن سلطته أيضا.
وهكذا فما يزيد الأمر خطورة أن الإعلام وهو يزدهر ويتطور كما وكيفا وقد غدا حاملا للفنون وخطاباتها، حاضنا لألوان الخطابات، وهذا الدور المزدوج يزيد من قوة سلطته، ويمنحه إمكانات زائدة للتأثير، فإذا تم توظيفه إيجابيا أمكن له أن يحقق ما يفيد المجتمع ويوحده، ولاشك أن استعمال الفصحى سيتيح لامحالة التقارب بين المجتمعات العربية وتقويتها، ومواجهة التحديات بمواقف أكثر وحدة وقوة.

يتبع………….



أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

2 تعليق على “دور الإعلام والفنون في النهوض بالفصحى ومواجهة التغريب والعامية -2-”

  1. al3arabiya alfosha loghaton mahfodaton bidikri lhakim jazaka allaho

  2. machkourona 3ala lkalima tayeba .lakom mawaddati



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر