دور الإعلام والفنون في النهوض بالفصحى ومواجهة التغريب والعامية

كتبهاتوفيق البوركي ، في 7 أبريل 2008 الساعة: 14:42 م

 

alphab

 

د. علي لغزيوي*
لماذا كانت الفصحى مستهدفة؟
لقد سادت العربية الفصحى خلال عصور متوالية في مختلف البيئات الإسلامية سيادة مطلقة دون أن يرميها أحد بأي تهمة تقلل من شأنها بين اللغات، ولم يثبت أن اشتكى أحد من عيب أو قصور أو عجز فيها، بل كان التنويه كبيرا بإمكاناتها المتعددة، وخصائصها المميزة لها عن غيرها من اللغات بالنظر إلى مكوناتها وقابليتها للاشتقاق، وتعدد مجالات إغنائها، وقدرتها على استيعاب مختلف الحمولات والمعارف، فضلا عن جمالية إيقاعها وموسيقيتها المتميزة.
ومن يتأمل واقع اللغة العربية اليوم، ثم ينظر إلى مسيرتها عبر تاريخها الطويل الحافل، سيلاحظ أنها قد مرت بمجموعة من المراحل المتفاوتة المتأرجحة بين الازدهار أو السير العادي في الغالب، وبين التراجع أحيانا، إلا أنها فيما يبدو لم تشهد حملة معادية منظمة وشرسة، مثلها حدث خلال مرحلة المد الاستعماري على امتداد الوطن العربي والعالم الإسلامي، وكذلك خلال ما يسمى بمرحلة الاستقلال، لأن الأمة وإن كانت قد تخلصت من القوات العسكرية، فقد ظلت تعاني ولا تزال من أنواع أخرى من الهيمنة، في مقدمتها الهيمنة الفكرية أو الغزو الفكري الذي آل اليوم بعد انكشاف أساليبه إلى ما يعرف بالعولمة التي تسعى إلى إلغاء الهويات، وتذويب الخصوصيات، في إطار ما يعرف بالنظام العالمي الجديد ومنظومته المرتبطة به.
والمثير للغرابة والعجب أن الحملات توجه إلى اللغة في ذاتها لا إلى أهلها، مع أن القصور الذي تُرمى به ليس راجعا إليها، بقدر ما هو كامن في أبنائها، ولاسيما والإجماع حاصل عند علماء الغرب أنفسهم على أن العربية من أكمل اللغات، ويكفي الاطلاع على مجموعة من معاجمهم كمعجم لاروس، أو معجم لالند للوقوف على هذه الشهادات.
غير أن المغرضين تألبوا وتجاهلوا تلك الحقائق، وراحوا يختلقون الأسباب تلو الأسباب للتشكيك في إمكاناتها، وسعوا إلى إبعادها عن مصادر القرار، وحاولوا فصل المسلمين عن ماضيهم لطي إنجازات الأسلاف بهذه اللغة، مع تلميع اللغات الأجنبية، وتشجيع اللهجات بكل الوسائل الممكنة، وفي هذا الجو ظل لدعاة التغريب مجال لبث أفكارهم، وترويج دعواتهم، ثم  سلموا المشعل لتلامذتهم وأتباعهم فتبنوا مقولاتهم وصاغوها صياغة جديدة، وتوسلوا بما توهموا أنه يغطي حقيقة نواياهم، أو يضفى على حملتهم وموقفهم طابع المشروعية، ولكن دون طائل كبير، وذلك كما يقول أحد كبار المجمعيين لأن: "الفصحى تراث الماضي ومجد الحاضر، بقيت على الدهر، وسارت مع الزمن، بحيث أضحت لغة قديمة حديثة، تجمع بيت التالد والطارف، وتربط الناطقين بها بأوثق رباط، وقل أن تلتقي معها في هذا لغة أخرى"([1]).
هذا فضلا عن أنها لغة القرآن الكريم، وبحفظه الذي تولاه الله عز وجل نفسه يتم حفظها، لأنها وعاؤه ولسانه مصداقا لقوله تعالى: )إنَّآ نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون(([2]). فحفظها في حفظه، ومن هنا تعددت فضائلها وتنوعت مزاياها، وازدادت الجهود في خدمتها وتطويرها والارتقاء بها.
ولذلك فإنه يبدو بكل تأكيد أن إقدام منظمة الإيسيسكو، مشكورة مأجورة، إن شاء الله عز وجل، على تنظيم هذه الندوة الخاصة باللغة العربية وتحديات العصر، يعد عملا إيجابيا إلى حد بعيد، لأن التحديات لم تتوقف، والحملة على الفصحى لم تنته، ولاسيما مع تصاعد حملات التغريب، وإسهام مختلف وسائل الإعلام في نشر الدعوات المختلفة، وتزايد الجهود لتسخير الفنون لتبني اللهجات إلى غير ذلك من المظاهر السلبية التي تؤكد الواقع المؤلم للفصحى التي غدت غريبة في بيئتها، وهذا ما يجعل هذه المبادرة تأتي في وقتها المناسب، ويؤكد أنها ليست وليدة الصدفة، بل هي ناتجة عن إحساس قوي بما آل إليه أمر هذه اللغة من تفريط، على الرغم من كونها مقوما رئيسيا من أهم مقومات كيان الأمة، ولعل هذا السبب هو الذي جعلها لا تزال مستهدفة في خضم الظروف والتحولات التي يعرفها زمننا هذا بتأثير مما يسمى بالنظام العالمي الجديد والعولمة، وبدافع من المواقف السلبية من كل ما هو عربي إسلامي، بل وبموازاة مع ما يشهده العالم الإسلامي، وقلبه النابض: العالم العربي من تحديات، فقد تفاقم وضع الفصحى وزاد إهمالها إلى حد كبير، وذلك مع بروز الردة إلى التغريب، وتزايد الاهتمام بالعامية، والاعتناء باللهجات الإقليمية والمحلية ذات الانتشار الضيق.
والحقيقة أن تجدد الحملة على الفصحى ليست إلا لأنها لغة القرآن الكريم، ولغة التعبد، ولغة الفكر والأدب والحضارة والعلم، بهدف إبعادها عن الصدارة والتشكيك في قدراتها وإمكاناتها، ولأن إضعافها في زعمهم إضعاف لأهلها.
هل تكفي الجهود المبذولة ؟
لا يمكن إنكار الجهود الطيبة المبذولة في خدمة العربية الفصحى، في مجموعة من المجامع اللغوية والأكاديميات المتخصصة، والجمعيات والمنظمات والمؤسسات المهتمة سواء منها القائمة في عدة دول عربية، بأسماء مختلفة، أم بما تم إحداثه مؤخرا، كما هو الشأن بالنسبة للمغرب الذي أنشأ أكاديمية خاصة باللغة العربية يمكنها أن تضطلع بأدوار نبيلة في حماية العربية وخدمتها، علما أن عددا من المنظمات الدولية قد بدأت تعترف بها لغة رسمية في التعامل الدولي، ومع ذلك فإن التقصير لا يزال واضحاً، كما أن العجز عن تطويرها وتعزيز دورها في الحياة العلمية والمعاملات اليومية يكاد يهيمن على كثير من أهلها، أفراداً ومؤسسات هيمنة لافتة للنظر، وذلك بسبب غياب التنسيق بين هذه المؤسسات والجهود الجماعية والفردية من جهة، وعدم توظيف المنجز في الحقول العملية والمجالات الخاصة بها، بما في ذلك مؤسسات التعليم، والإدارة، والشركات، وجميع الجهات التي لا تزال تستعمل لغات أجنبية، مما يدفع إلى التساؤل عن جدوى الجهود المبذولة، ومآل المصاريف الباهظة التي تخصص لها، دون أن تظهر بوادر ملموسة لإدماجها في جميع مرافق الحياة العامة، ولا يقتصر هذا الواقع المؤلم للعربية الفصحى على مجال دون آخر، لأن التحديات التي تواجهها تكاد تكون عامة، ولكن المجال لا يسمح بتفصيل الحديث عنها الآن.
لقد غدت تواجه اليوم تحديا حضاريا سافرا لم يسبق له مثيل، وذلك بالنظر إلى طبيعة هذا التحدي ومصدره ومستواه وشموليته([3]) من جهة، وبالنظر إلى البعد الثقافي، ومرتكزاته ومكتسباته وثوابته ومتغيراته وتفاعلاته وخلفياته في عالم اليوم من جهة أخرى([4]).
استهداف مزدوج :
إن تأمل واقع العربية الفصحى يؤدي إلى رصد مظاهر التراجع الكبير في العقود الأخيرة، ولاسيما وهي ليست عرضة للتحدي الخارجي فحسب، بل تعاني أيضا من قصور أبنائها وتقصيرهم، لا في المجالات العامة والاستعمال في الخطاب والإبداع فقط، بل حتى في المجال التربوي والتعليمي الذي يعد مجالها الطبيعي، فهي إما مبعدة أو مهمشة في عدد من المؤسسات والمستويات التعليمية في معظم البلدان العربية، وإما تُعامل كأي لغة أخرى من حيث مناهج التدريس وطرق التلقين، بما يترتب عن هذين الموقفين من انعكاسات سلبية على أبناء الأمة، وعلى لغتهم الفصحى في آن واحد، وذلك ما يجعلها مستهدفة استهدافا مزدوجا، من الداخل والخارج، مع اختلاف طبيعة كل نوع منهما، ولكنهما معا يسهمان في معاناتها.
ولكي ندرك فداحة هذا الواقع المرير نقف عند نموذج نختاره من أكثر الدول العربية اهتماما بالعربية، وأحرصها على التعريب في الإدارة وفي التعليم، بما في ذلك التعليم العالي بجميع تخصصاته، وفي مقدمتها التخصصات العلمية الدقيقة التي تدرس في معظم البلاد العربية والإسلامية بالإنجليزية أو الفرنسية، مثل الهندسة والطب والصيدلة و النبات وما إلى ذلك، بينما تدرس هذه العلوم في هذه الدولة بالعربية وأعني بذلك دولة سورية، ومع ذلك لا تزال هناك شكوى من إهمالها حتى في هذه الدولة، كما في غيرها.
وهكذا نجد أحد الخبراء الممارسين للتربية والتعليم، على امتداد عدة عقود من السنين، يشكو من تهميش الفصحى وإيثار العامية في مجال التدريس، ويشير إلى العواقب الوخيمة لهذا الإهمال في الحاضر والمآل، ولاسيما بالنسبة للناشئة والأجيال الحاضرة التي هي عمدة الغد.
يقول هذا الخبير الذي قضى حياته في التدريس، عن المجال التعليمي والتربوي، وعن مكانة العربية الفصحى في المؤسسات العلمية، من معاهد وجامعات ودور علم، في مقال حديث جدا له إنه لا يخالجه الشك" أن التقصير فيه كبير، وكبير جدا إذ لا تكاد تجد معلما أو أستاذا في مراحل التعليم الثلاثي (ابتدائي، إعدادي، ثانوي) حتى الجامعي، يجيد التكلم بالفصحى بطلاقة، أو يبتدئ محاضرته ويستمر فيها إلى نهايتها دون أن يخلطها بالعامية([5]).
وأمام هذه الظاهرة السلبية يعبر هذا الباحث عن أسفه، ويؤكد وعيه بخطورة هذه السلبية التي كثيرا ما نَصَحَ بضرورة تجنبها بقوله.
" أقول هذا وقلبي يعتصر ألما إذ عانيت هذا الواقع المؤلم ربع قرن أو يزيد، حين ممارستي لمهنتي في تدريس مادة التربية الإسلامية في المرحلتين: الإعدادية والثانوية، في سوريا وخارجها.
وكم كنا ننبه إخوتنا المدرسين والمعلمين على ضرورة التزام الفصحى في دروسهم النظرية والعملية، ولكن ما كنا نجد آذانا صاغية، وكان خوفنا في هذا الجانب على الطلاب والتلاميذ، لأن إهمال الفصحى يرتد سلبا على ناشئتنا وأجيالنا الحاضرة والقادمة"([6]).
وهو ينبه على هذا التقصير تجاه الفصحى عمداً أو تجاهلاً عند فئات من المدرسين، ويحذر من خطورة نتائجه فيقول" إن هذا التعمد أو التجاهل للفصحى أمر خطير، ينبغي أن يكون التنبيه عليه مستمرا من الموجهين التربويين والمتخصصين في المواد الدراسية كافة، وفي مجالات حياتهم الفردية والأسرية والاجتماعية، وحتى في أحاديثهم العرضية… واليوم، وبعد مرور ثلاثين سنة لا ألمس إلا التدنيَّ، سواء في المجالات العلمية ومؤسسات التعليم، أو دوائر الحكومة ومخاطبة رجالاتها وكتاباتهم وتقاريرهم، فضلا عن وسائل الإعلام والصحافة التي تجاري السوقة… "([7]).
قد يكون هذا التقصير تلقائيا، ولكنه لا يخلو من خطورة، لأنه يدعم موقف المبشرين ومعظم المستشرقين وعدد كبير من المستغربين من العربية الفصحى، وهو موقف يقوم على التحامل عليها، والاهتمام باللجهات الإقليمية وتشجيع الدراسات الخاصة بها، وإغراء الطلاب والباحثين الشباب بإنجاز بحوثهم وأطاريحهم الجامعية بغير العربية الفصحى، وتحفيزهم على ذلك بتخصيص المنح لهم، وتوجيه وسائل الإعلام لتسليط الأضواء عليهم، وتنظيم الندوات والمدارسات واللقاءات في موضوعات وقضايا تتصل باللهجات، وتكتب تلك البحوث غالبا بلغات أجنبية، ويكفي إلقاء نظرة سريعة على دليل الرسائل الجامعية التي أنجزها باحثون من البلاد العربية في مجموعة من الجامعات الغربية للوقوف على الكم الهائل، والتنوع الكبير في هذا المجال.
دعوة إلى التأني:
غير أنه ينبغي هنا عدم التسرع تجاه هذا الأمر، فدراسة اللهجات الإقليمية بدافع معرفي، وبمناهج علمية موضوعية، ولغايات نبيلة، تدعم وحدة الأمة ولا تفتت مكوناتها، أمر لا يمكن رفضه، لأنه عمل علمي يتيح كشف المجهول، وتحليل الظواهر والبحث في القضايا من منظور علمي محض،لا مجال فيه للعصبية أو التحامل على الآخر أو ما أشبه ذلك، ولكن المرفوض أو المذموم هو كل ما قام على روح عدائية مبيتة، ونزعة متحاملة متعصبة، وباعث ذاتي مغرض، وخلفية فكرية ملغومة بشحنات الكراهية والبعد عن التسامح ورفض الحوار، والرغبة في الإقصاء.
وهكذا فإن تبني موقف الانتقاص من الفصحى ورميها بالتقصير، تصريحا أو إيحاء، هو الموقف المرفوض، وهو الموقف الذي تبناه عدد من المبشرين والمستشرقين، ثم ورثه عنهم مجموعة من المستغربين فتفننوا في عرضه والدفاع عنه، والتوسع في نشره، والسعي إلى الإقناع بجدواه دون طائل كبير، لأن العربية الفصحى محفوظة بحفظ القرآن الكريم، كما سبقت الإشارة إلى ذلك، وكيف ولا وهي التي استوعبت الخطاب الرباني ومنهجه كما وجهه لعباده، عن طريق نبيه العربي الفصيح، ولا مجال هنا للموازنة أو المقارنة بين اللغة العربية الفصحى وأي لغة أخرى من اللغات المعروفة في العالم، قديما وحديثا، بما فيها اللغة اللاتينية التي عُدت لمرحلة زمنية طويلة اللغة الأكاديمية التي استوعبت الحضارة الغربية، لأن الفروق كثيرة ومتنوعة، والمسافة شاسعة بين هذه العربية الفصحى التي اختارها الله عز وجل لدستور آخر رسالاته للبشرية، وبين  غيرها من اللغات، مهما تعددت المغالطات، وتنوعت التمويهات.
وهذا ما يستدعي البحث عن مظهار الحملة على الفصحى دون غيرها، والكشف عن نماذج من الأسلحة التي تسلح بها خصومها وراحوا يقذفونها بها من حصون داخلية وخارجية، من أجل الوقوف على مدى مصداقية تلك المواقف أو تهافتها، وتعميق الوعي بالقضية وأبعادها، والقيام برد الفعل المناسب الذي يفيد أمتنا ولغتها.

                      يتبع……

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر