عن مهنة الكتابة-2-
كتبهاتوفيق البوركي ، في 19 يوليو 2008 الساعة: 16:10 م
الروائية إيزابيل الليندي
تعريب: توفيق البوركي

4
الروايات التي أكتبها لا أحملها في ذهني و إنما تنمو في بطني و لا أختار مواضيعها و إنما هي من تختارني،كل عملي يكمن في أن أخصص الوقت الكافي و الهدوء و نظاما للكتابة،لكي تظهر الشخصيات بشكل تام و تتحدث عن نفسها ؛فأنا لا أختلقها،إنها مخلوقات توجد في بعد آخر تنتظر من يجلبها إلى عالمنا.لست إلا أداة فقط ، شيئا كالمذياع مثلا،فإذا استطعت أن أضبط التردد بدقة فربما ستظهر هذه الشخصيات و تحكي لي عن حياتها.
في الثامن من كانون الثاني من كل عام، عندما أبدا كتابا جديدا أقيم حفلة سرية لاستحضار أرواح العمل والإلهام، ثم أضع أصابعي على لوحة المفاتيح، وادع جملة الانطلاق تكتب لوحدها كما لو أني في غيبوبة تماما كما حصل مع براباس الذي جاء عبر البحر في رواية منزل الأرواح.
ليست لدي خطة، و لا ادري ما الذي سيحدث، تلك الجملة هي التي تفتح لي الباب لأتطلع، وبخجل، إلى عالم آخر.وفي الأشهر المقبلة سأكتشف ذلك العالم كلمة بكلمة.في البداية تكون الشخصيات غير واضحة المعالم،غير أنها تعلن عن نفسها شيئا فشيئا،كل فرد بنبرته الخاصة و سيرة حياته ومزاجه ومهاراته و عظمته ،إنها شخصيات حقيقية و مستقلة،و إذا تدخلت لاحتوائها و السيطرة عليها فسيكون ذلك غير ذي جدوى؛فالقصة تنفتح بتؤدة و أناة، حتى تصل في آخر المطاف إلى كشف مكنوناتها الدفينة .
ومع ذلك، فهذا لم يحدث بعد وفاة ابنتي، إذ و لا شخصية جاءت لتطرق بابي، فاعتقدت أن منبع القصص- والذي كان معينه على ما يبدو لا ينضب - قد جف واضمحل.
مرت ثلاث سنوات ولم استطع كتابة قصص خيالية، آنذاك تذكرت بأنني صحفية وإذا ما أُعطي لي موضوع ما مع مهلة زمنية للتقصي والبحث، فباستطاعتي أن اكتب عن أي شيء كيف ما كان. تسلمت احد المواضيع البعيدة كل البعد عن الآلام والأحزان وانتهيت إلى كتابة افروديت وهي ذاكرة للحواس.إنها كتاب عن الشراهة والشهوانية، عن الطبخ والحب. هذا الموضوع الذي استلزم التطرق إليه نوعا من المزاح والسخرية، انتزعني من حالة الكآبة والانقباض الذي كنت أعيشها، فعدت إلى جسدي والى الرغبة في الحياة وكتابة الخيال.
في الثامن من كانون الثاني عام 1998، بدأت رواية ابنة الحظ، وكان موضوعها هو الحرية. فالبطلة الشابة اليزا سومرس، أبحرت في العام 1849 من فالباراييسو باتجاه كاليفورنيا، لاهثة وراء حبيبها الذي غادر منذ شهرين، وبحكم نشأتها الارستقراطية، فقد أجبرت في كاليفورنيا على استبدال لباسها بآخر رجالي وان تخرج لغزو عالم ذكوري معتمدة على سلاح الشجاعة دون غيره. وخلال مسيرتها لسنوات ساعية وراء ذلك الحبيب المنزلق اكتسبت اليزا شيئا ثمينا كما الحب: اكتسبت الحرية.
عندما أنهيت تلك الرواية كتب لي بعض القراء بأنهم يودون معرفة المزيد عن الشخصيات، فافترضت أن النهاية المفتوحة التي وضعتها للكتاب لم ترقهم، وهكذا في العام 2000 كتبت رواية صورة عتيقة، هذه الرواية ليست جزءا ثانيا لسابقتها، لأنها تتيح إمكانية قراءتها بشكل مستقل رغم أنها أخذت من الرواية الأولى بعض الشخصيات.
تحكي الرواية قصة ارورا ديل بايي حفيدة اليزا سومرس , التي ولدت بالحي الصيني بسان فرانسيسكو, والتي عانت في طفولتها من صدمة فقدت على إثرها ذاكرتها في السنوات الماضية؛ فتبنتها جدتها لأبيها حتى لحظة هجرتها من كاليفورنيا إلى الشيلي على عكس ما قامت به اليزا سومرس.
جرت أحداث الرواية بداية, في فترة من أهم الفترات في تاريخ الشيلي أواخر ثلاثينيات القرن التاسع عشر, في ذاك الوقت مرت البلاد بحروب وثورة دموية. اعتقد انه حينئذ تم إنشاء المجلس الوطني. تيمة هذه الرواية هي الذاكرة, التيمة الأساسية في حياتي والمتكررة في جل أعمالي.
في هذا الكتاب أخذت كذلك بعض الشخصيات روايتي الأولى منزل الأرواح مشكلة بذلك ثلاثية بين الكتب الثلاثة: ابنة الحظ و صورة عتيقة و أخيرا منزل الأرواح .
احدث كتبي الآن هي مدينة البهائم, قصة عن المغامرات وعن السحر الموجود في الأمازون, أتمنى هذه المرة أن يكون قرائي من الأطفال والشباب، فبعد أن كتبت روايتين تاريخيتين طويلتين، فانا محتاجة أن استعيد مرح الطفولة. أليست الكتابة للصغار إذن شيئا جميلا؟ لَم أتسلى قط بالكتابة كما افعل الآن, وأتمنى أن شخصيات مدينة البهائم تعود لمرافقتي في كتب ومغامرات أخرى.
-5-
كل الأحداث والأشخاص الذين عرفتهم في حياتي هم مصدر إلهامي الوحيد، لهذا أحاول العيش بشغف وان أتعرض لجميع الأهواء دون خوف من الآلام التي لا مناص منها, فتجارب اليوم هي ذكريات في الغد، هي الماضي الذي ينسم وجودي. إذا تطلعت إلى حياة مستقرة فلن استطيع الكتابة, وماذا سأكتب؟ ذاكرتي ذاكرة المغامرة والحب والألم والفراق والغناء والدموع. عندما انظر إلى الخلف يتملكني انطباع بأنني بطلة ميلودراما, لكن يمكن أن يكون ذلك غير صحيح: فقد خانتني المخيلة. امضي عدة ساعات وأنا وحيدة وصامتة فيتلاشى الواقع من أمامي وانتهي إلى سماع أصوات ورؤية أشباح واختلق نفسي بنفسي. أوقعني الزمن في شراكه ثم بدا دورانه، لقد عشت ما يكفي لأرى العلاقة بين الأحداث والتحقق أن الدوائر مغلقة , لذا أطأ بحذر شديد لان ما حدث معي يستوجب أن كل حركة وكل كلمة وكل قصد له أهمية في التشكيل النهائي للوجود. ربما فالزمن لا يمضي, وأننا نحن الذين نمر عبره. ربما فالفضاء مليء بهيآت من جميع الحقب, كما تقول جدتي. فكل ما حصل وسيحصل يتعايشان في حاضر ابدي. باختصار: اعتقد أن كل شيء ممكن.
الآن وقد وصلت إلى سن محترمة. فإنني انظر بابتسامة إلى الماضي وأترقب الموت بفضول كبير{….} فليست لدي لا خطط ولا تخوفات ولا اشعر حتى بالندم: فانا استطيع أن اكتب بحرية تامة.
يمكن الإطلاع على النص الأصلي في الموقع الخاص بالكاتبة على شبكة الإنترنت:
http://www.clubcultura.com/clubliteratura/clubescritores/allende/homeallende/escritura.htm
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























يوليو 20th, 2008 at 20 يوليو 2008 7:23 م
السلام عليكم
الطواغيت الغربية…الطواغيت الشرق أوسطيّة…إدراج جديد على “الوعد الصادق”.
و دمتم سالمين إخوتي من شرّهم إن شاء الله.
لي عودة أخي “توفيق” لمدونتك بإذن الله…
يوليو 21st, 2008 at 21 يوليو 2008 7:51 ص
اخي الكريم .
جميل الحديث عن هذه الروائية … او كاتبى السير .ايزابيل الليندي … هذه الكاتبة التي تجبرك على قراءة ما تجود به من نسق هائل في جلب المتلقي واحترام ذهنيته في التفسير والتأويل .
دمت بخير
يوليو 21st, 2008 at 21 يوليو 2008 10:37 ص
أخي توفيق
صباح الخيرات
جميل منك الكتابة عن الروائية وتعريف البعض بما تعرف وتطلع عليه
تحياتي لك دائما
يوليو 21st, 2008 at 21 يوليو 2008 11:59 ص
الاخت سهى مرحبا بزياراتك و لك فائق التقدير
يوليو 21st, 2008 at 21 يوليو 2008 12:01 م
ركب الفرسان اسعدتني زيارتك اتمنى دوام التواصل
يوليو 21st, 2008 at 21 يوليو 2008 12:02 م
ام ليث دمت متألقة
يوليو 21st, 2008 at 21 يوليو 2008 12:30 م
اخي الكريم
شكرا لاطلالتك على ركب الفرسان
دمت وليدم التواصل
يوليو 22nd, 2008 at 22 يوليو 2008 11:13 ص
الاخ تــــــــــوفيق البوركي00
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته00
اشكر لك مرورك الكريم لصفحاتي00
وتمنياتي لك بمزيد من التقدم والاستمرار……..
دمت بخير
يوليو 22nd, 2008 at 22 يوليو 2008 11:47 ص
منى الروح مرحبا بك دائما بين صفحاتي مدونتي.
يوليو 26th, 2008 at 26 يوليو 2008 2:07 م
يوما بعد يوم أكتشف كم هو حضي جميل، وكم روعة وقتي تزداد تألقا.. وأنا ألتقي وأقرأ لأصدقاء جدد .. ولمتطلبات العمل والحياة سأدخل في إجازة سنوية ابتداء من الغد.. فمعذرة وإلى لقاء قريب ان شاء الله.. مودتي الخالصة.