عن مهنة الكتابة-1-

كتبهاتوفيق البوركي ، في 19 يوليو 2008 الساعة: 15:52 م

الروائية إيزابيل ألليندي
تعريب: توفيق البوركي 

ezabel

الكتابة بالنسبة لي محاولة يائسة لأحفظ الذاكرة من النسيان، فانا سأظل شريدة إلى الأبد. و على أرصفة الطرق تبقى الذكريات مثل قطع ملابسي الممزقة. بمقدار ما أمشي تنفك عني جذوري الأصلية. فانا اكتب حتى لا اندحر أمام النسيان ولأغذي هذه الجذور المتعرية وقد أضحت الآن مكشوفة للهواء.

1

مهنتي مهنة صبر وصمت ووحدة، فأحفادي الذين ينظرون إلي ولساعات لا تنتهي وأنا أمام الحاسوب يعتقدون أني في عقاب. لم أقوم بذلك؟ لا أدريإنها وظيفة عضوية مثل النوم والأمومة. أن أحكي وأحكي… انه الشيء الوحيد الذي أريد القيام به. علي أن أبدع قليلا، لان الحياة أروع من أي مسخ تفرزه مخيلتي. في أفضل الحالات فالكتابة تحاول أن تكون صوت من لا صوت له أو أن تكون صوت الذين تم إسكاتهم، لكن عندما أقوم بذلك فانا لا امثل أحدا ولا أقدم رسالة ولا أفسر أسرار الكون، بكل بساطة أحاول أن احكي أحاديث ذات صبغة خاصة، سعيا مني أن لا أنسى المرح والحنان، العنصرين الضروريين لكي امنح الحياة للشخصيات.
أنا محظوظة لأنني انتمي لأسرة غريبة الأطوار، فكثير من المجانين هم من يشكلون سلالتنا الطريفة.هؤلاء المجانين أوحوا إلى كتابة جل رواياتي تقريبا، روايات استغنيت فيها عن الخيال، لان في وجودهم لن احتاج إليه أبدا، ففيهم كل مكونات الواقعية السحرية.
ولدت كتبي نتيجة عاطفة دفينة لازمتني لزمن طويل. فالحنين لتشيلي دفعني إلى كتابة منزل الأرواح التي أردت من خلالها، وأنا في المنفى، أن أعيد بناء الوطن الذي أفسده انقلاب1973، أن أحيي موتاه واجمع مشتتيه. كنت في كاراكاس مثل غيري من آلاف المهاجرين واللاجئين والمنفيين، حين توصلت في 8 يناير من العام 1981 من العاصمة سانتياغو بنبأ حزين أخبرت فيه أن جدي، ذلك الشيخ الرائع الذي سيكمل عامه المائة، يحتضر.
في تلك الليلة وضعت الآلة الكاتبة في المطبخ وبدأت كتابة رسالة لذلك الجد الأسطوري. كانت رسالة روحية، رغم انه لن يقراها أبدا. كتبت جملتها الأولى وأنا في حالة غيبوبة، وقبل أن استعيد قدرتي على الإدراك كنت قد كتبت: وصل براباس إلى الأسرة عبر البحر. من هو براباس وما علاقته برسالة الوداع التي اكتبها لجدي؟ رغم أني لم اعرف لماذا، ولكن وبثقة الجاهل، فقدت تابعت الكتابة بلا توقف ولا راحة، في كل ليلة ودون أن أحس باني أبدل مجهودا كبيرا كما لو أن هناك أصوات خفية تهمس لي بالقصة؛ وبانتهاء العام تجمعت لدي 500 صفحة فوق طاولة المطبخ. وهكذا ولدت رواية منزل الأرواح, فمجيء براباس عبر البحر قد غير قدري،و لا شيء أصبح يماثلني بعد أن كتبت تلك الجملة. هذه الرواية دفعت بي إلى عالم الأدب و بلا رجعة.
الإحساس العميق بالغضب والسخط على الديكتاتوريات التي خربت، ودمرت قارتنا في عقد الستينيات الرهيب كانت وراء كتابة روايتي الثانية: عن الحب والظلال.
في تلك الصفحات أردت أن أجد المفقودين وادفن بقاياهم بكرامة وابكي لأجلهم.ركزت الرواية، التي أضفيت عليها صبغة الخبر الصحفي على الجريمة السياسية، فخلال الانقلاب سنة 1973,كان الآلاف من الأشخاص قد ماتوا أو اختفوا في الشيلي، بينهم 15 مزارعا من بلدة لوكين على بعد 50 كلم من العاصمة سانتياغو.
الروايتان ثم تحويلهما إلى فيلمين سينمائيين, كانا بحق أفضل بكثير مما كتبت.
أما روايتي الثالثةايفا لونا ومجموعتي القصصية حكايا  ايفا لونا  فكانا كتابين نسائيين جعلاني متأكدة أن لا احد كان سيطيقهما لولا الحس الشهواني و الساخر للكاريبي. أما تأثير فنزويلا، ذلك البلد الأخضر والسعيد حيث عشت طيلة ثلاثة عشر عاما, فقد انقدهما من أن يكونا مجرد منشورات تحررية.

2

ولدت في مجتمع متقشف, اختلطت فيه جينات المهاجرين القشتاليين والباسكيين مع دماء الهنود القاتمة, وشدة وعورة سلاسل جبال الانديز مع عواصف المحيط الهادي، مما منحنا نحن الشيليين مزاجا رصينا وحذرا لكنه أحيانا يكون فظا وخشنا، نأخذ كل شيء على محمل الجد ولا شيء يخيفنا غير احتمال أن نكون مثيرين للضحك. في فنزويلا تحررت من هذا الخوف وغيره من الأوهام، تعلمت الغناء والرقص والضحك من نفسي, فالمرح اعتاد أن يكون سلاحا فعالا. لهذا تطرقت في رواية ايفا لونا و حكايا ايفا لونا إلى الحركة النسائية بشيء من الظرافة مما أزعج بعض المتعصبات, فاتهمنني بالخيانة.
في الأيام الأخيرة, فقد مفهوم المتعصبة النسائية اعتباره وقيمته, ورأيت كثيرا من النساء يتراجعن وهن خائفات عند سماعه. بالله عليكم، لا تحسبوا أنهن لا يحببن الرجال ولا يحلقن سيقانهم، فانا أعلن وبكل فخر أني كذلك. منذ أيام الشباب استوعبت أوجه الاختلاف والتشابه بين الجنسين وازدواجية المعنويات التي أضرت بالنساء كثيرا، كما أني أدركت أن المجتمع الذكوري هو المهيمن على ثقافتنا، لقد تحريت عن كل شيء: التقاليد والأسطورة وثقافة العائلة والدين والعلم،و كل ما يزاوله الرجال. اعتقد أن الإحساس بالأنوثة هو ما يجعل اغلب النساء في وضع مريح، بالنسبة لي، فقد استغرقت أربعة عقود لأتقبل وضعيتي كأنثى, فيما قبل كنت أريد أن أكون رجلا: من فضلكم ليس هذا حقدا فرويديا. فمن يستطيع أن يحقد على تلك الذيل الصغير والمتقلب الأطوار؟
في سن الخامسة والأربعين، كنت قد تطلقت حديثا من زوجي الذي تحملني بصبر و أناة لأزيد من ربع قرن، بينما كنت أتجول في كاليفورنيا، حدث أن تصادفت مع وليام غوردون، آخر عزاب سان فرانسيسكو الجنسانيين، هذا الرجل أضفى سرورا على حياتي وأوحى لي تأليف كتابي الخامس:
الخطة اللانهائية. بعد صدور الكتاب انتابني الخوف لأنه لا يحتوي شيئا من الرمزية أو البطولية، كان شبقيا وشهوانيا خالصا. عندما تعرفت على وليام كنت أنام وحدي ولوقت طويل، رأيته لأسبوعين أو ثلاثة، فقد سقطت عليه من أعلى مثل إعصار وقبل أن أصل إليه، كان قد تزوج، ولم يبق لي إلا الاستيلاء على قصة حياته لأكتب رواية عن كاليفورنيا.

3

في سنة 1991، بالضبط بعد أن قدمت في مدريد لكتابي الخطة اللانهائية، حدث أن أصيبت ابنتي باولا بالبورفيريا وسقطت في غيبوبة. هذا المرض ليس بالمرض القاتل، لكن حظ باولا كان عاثرا. في وحدة العناية المركزة، وبسبب قلة الرعاية، أصيبت ابنتي بجلطة دماغية عنيفة. خمسة أشهر بطيئة قد مرت وهي المستشفى جعلتني أتقبل ما قد حدث. أخيرا تسلمت باولا وهي في حالة إنعاش، فأخذناها إلى منزلنا بكاليفورنيا حيث سأتعهدها بالرعاية مع باقي أفراد العائلة.
ماتت باولا بين ذراعي في صبيحة السادس من كانون الأول عام 1992.كان ذلك أقسى ما تعرضت إليه في حياتي، بعد رحيلها عم فراغ كبير المنزل نغص علي حياتي. لم افهم لم لَم نمت سوية. حينئذ جاءت أمي ومعها الخلاص مما أنا فيه: علينا ألا نتمنى الموت، لأنه قادم في جميع الأحوال، فالتحدي هو الحياة… وضعت على الطاولة، إلى جانب دفاتري الصفراء،مائة و تسعين رسالة كتبتها خلال ذلك العام، حكت فيها كل شيء عن المرض الذي دمر ابنتي، وقالت لي: إيزابيل، خذي، اقرئي ورتبي كل هذا، لتفهمي أن الموت كان هو الخلاص الوحيد لباولا. قمت بما طلبته مني شيئا فشيئا، وجملة جملة، ودمعة دمعة، لقد ولد كتاب آخر والذي سميته: باولا؛ ليس رواية لكنها ذكريات عارية، كتبتها من اجل ابنتي كتعويذة لأتغلب على الموت. انه ليس كتابا حزينا، انه احتفال بالحياة وبالقدر البوهيمي لعائلتنا. جدتي تقول بان الموت غير موجود وأننا نموت عندما ينسانا الآخرون. إذن فما دمت أنا أعيش فباولا تعيش معي. أليس هذا هو القصد من وراء الكتابة؟ أن تقهر النسيان.

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

تعليق واحد على “عن مهنة الكتابة-1-”

  1. من روايات الكاتبة:
    بيت الأرواح -
    عن الحب والظلال
    إيفا لونا
    حكايات إيفا لونا
    الخطة اللانهائية
    باولا
    آفروديت
    ابنة الحظ
    صورة عتيقة
    مدينة البهائم
    بلدي المُتخيل
    مملكة التنين الذهبي
    غابة الأقزام
    زورو
    إنيس ..حبيبة روحي



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر