في الذكرى الأولى لوفاة العالم الشيخ فريد الأنصاري المغربي

بقلم: مصطفى بوكرن
تحل اليوم ذكرى وفاة العالم الشيخ فريد الأنصاري، وبمناسبة الذكرى الأولى، ووفاء لروح الشيخ الأنصاري، أن نذكر بهذا العلم المغربي الكبير، حتى لا يطاله النسيان والغياب باعتباره من أهم الأعلام في المغرب الحديث، وتأتي هذه الأهمية، انطلاقا من مجموعة من الاعتبارات الآتية:
نبوغه العلمي في أصول الفقه، دراسة وتأليفا وتدريسا، إضافة إلى علوم الشريعة من فقه وحديث وتفسير، هذا النبوغ الذي مكنه أن يتحقق بصفة العالمية التي بوأته، مناصب رسمية «رئيس المجلس العلمي لمكناس، عضو المجلس العلمي الأعلى..» ومجتمعية في التأطير والدعوة والإفتاء.
تذوقه للسان العربي، وما أنتجه من دواوين شعرية، كديوان الإشارات..، وما ألفه من روايات ابتداء من رواية المحجوب وانتهاء برواية عودة الفرسان؛ رواية عن فتح الله كولن كتبها وهو على فراش المرض بتركيا.
فهمه لدور الإعلام الديني في تأطير المجتمع، حيث أصدر مجلة رسالة القرآن، والتي تهتم بالدراسات القرآنية الأكاديمية.
مراجعته لمقولات حركات الإصلاح الإسلامي، بالنقد والتقويم، انطلاقا من أطروحته «من القرآن إلى العمران».
فكل هذه الاعتبارات وغيرها، تجعل الشيخ فريد الأنصاري علما من أعلام المغرب المعاصر، الذي ينبغي أن يبقى حاضرا غير غائب عن ذاكرة المغاربة والأمة الإسلامية، فهو من الذين بصموا بصمة واضحة في تاريخ المغرب الديني والدعوي، ومن هنا، يمكن أن نلقي الضوء على سيرة ومسيرة العالم الشيخ الأنصاري رحمه الله.
بعد مراحل تمدرسه الابتدائي والإعدادي والثانوي، التحق الأنصاري بالجامعة سنة 1980م، وانخرط في مجال التدريس بالجامعة في أواخر الثمانينيات، فقضى بالجامعة إلى حين وفاته 29 سنة، وكانت هذه الفترة التي قضاها بالجامعة طالبا ومدرسا، فترة علم واجتهاد وبحث علمي متين، ليتحقق بصفة «العالم الوارث»، ولا غرابة أن يتخصص في “أصول الفقه» أو بمعنى آخر في فلسفة قانون الاستنباط الإسلامي، بل تخصص في دراسة مصطلحات ومفاهيم أصول الفقه، ففي سنة 1985م/1986 م مرحلة تكوين المكونين، أنجز بحثا في السنة الأولى في موضوع: «الأصول والأصوليون المغاربة: بحث ببليوغرافي» تحت إشراف الدكتور الشاهد البوشيخي وفي السنة الثانية موسم 1987/1986 أنجز بحثا في موضوع: «مصطلحات أصولية في كتاب الموافقات: مادة قصد نموذجا» تحت إشراف الدكتور الشاهد البوشيخي، وفي سنة 1990/1989 سجل بحثا لنيل دبلوم الدراسات العليا/ الماجستير في موضوع: «مصطلحات أصولية في كتاب الموافقات» تحت إشراف الدكتور الشاهد البوشيخي، وفي سنة 1991 سجل بحث الدكتوراه في موضوع: “المصطلح الأصولي عند الشاطبي» تحت إشراف الدكتور الشاهد البوشيخي وناقش الأطروحة سنة 1998. .
إن هذه المسيرة البحثية الأكاديمية للدكتور، والتي تتجاوز أكثر من عقد من الزمن، صاحب فيها علم أصول الفقه والشاطبي ومصطلحاته، والملفت للنظر أن يكون الإشراف في جميع البحوث للشيخ العلامة الشاهد البوشيخي، ولذلك عند قول الأنصاري في كتاباته «الأستاذ» دون أن يسمي من هو هذا الأستاذ، فالمقصود به الشاهد البوشيخي، فهو مربيه وأستاذه، أثمرت هذه الصحبة معاني وجدانية عميقة ومنهجيات علمية دقيقة، وليس غريبا أن يقول البوشيخي مقدما لأطروحة الأنصاري في الدكتوراه المصطلح الأصولي عند الشاطبي: “إن فريدا الفريد لم يكد يخلق إلا للعلم والبحث العلمي» ويقول الأنصاري في حق أستاذه: «و لعمري لقد هذب وربى، وعلم فأربى. نهلت من علمه، وتشبهت بخلقه، ونشأت على فكرته، وتخرجت من معهده» المقصود بالمعهد معهد الدراسات المصطلحية بكلية الآداب ظهر المهراز فاس الذي أسسه البوشيخي مع ثلة من تلامذته سنة 1993. .
ويتضح من خلال تجربته البحثية أن التضلع في المعرفة الإسلامية لا يمكن أن يكون إلا «بالمصاحبة» للشيخ العالم والمربي، إذ المعرفة الإسلامية من أقوى مصادر تلقيها «أفواه الرجال»، وهذا التلقي هو ما يصنع الطالب الذي يبتغي العالمية، فالعالمية لا يتحقق بها من ركن إلى مطالعة الكتب والمخطوطات، لأن سلامة المنطق ودقة المعلومة لا تتحقق إلا مشافهة، وهذه الصحبة ليست علمية محضة بل هي صحبة تربوية عميقة، فالأنصاري يحكي عن التحول الوجداني الكبير الذي مر به، وكان سببه هو مدارسة له مع أستاذه البوشيخي، فيحكي الأنصاري قصة فهمه للعقيدة حيث يؤكد أنه مر بثلاث مراحل؛ المرحلة الأولى الفهم التقليدي، العقيدة شهادة وانتهى الأمر، المرحلة الثانية مرحلة أن معنى العقيدة هي «الحاكمية لله» وتلقى هذا المعنى في فترة ارتباطه بالحركة الإسلامية، المرحلة الثالثة مرحلة اليقظة الوجدانية حيث يقول: “وبقي الأمر بالنسبة لي غامضا، حتى لقيت بعض أساتذتي الأجلاء، ممن تتلمذت عليهم، وأخذت عنهم علم الدعوة وعلم البحث العلمي، فكانت لي معه جلسة مذاكرة حول بعض مفاهيم القرآن الكريم، وتحدثنا عن بعض النماذج من بينها مفهوم الإله في القرآن الكريم، فنبهني إلى أن الأصل اللغوي لهذه العبارة، راجع إلى معنى قلبي وجداني، وذكر لي شيئا من الدلالة اللغوية على المحبة، مما بينته قبل قليل، فكانت بالنسبة لي مفاجأة حقيقية! لا على مستوى الفهم فقط، ولكن على مستوى الوجدان والشعور !» ويتضح من هنا؛ أن المعرفة الإسلامية كذلك ليست معرفة معلوماتية، بل هي معرفة هدفها الوصول إلى خشية الله ويتحقق ذلك بصحبة العالم المربي، وهذه الصورة التي نرسمها، قلت واضمحلت وانعدمت في ما يسمى بالجامعات العلمية العصرية وفي شعب الدراسات الإسلامية، وهذه العلاقة بين الطالب والأستاذ تذكرنا بعصور علمية زاهرة عرفها التاريخ الإسلامي، بمعنى أن الذي صنع الأنصاري ليس هو نظام تعليمنا الجامعي المغربي في شعب الدراسات الإسلامية، وإنما الذي خرجه هو صحبته «لشيخ عالم مربي» لمدة تصل إلى أكثر من عقد من الزمن، أخذ عنه علم الدعوة والبحث العلمي.
كما أن الأنصاري كان موفقا في تركيزه على مجال واحد من مجالات المعرفة الإسلامية «أصول الفقه» فطيلة مسيرته البحثية لا يفارق أصول الفقه، وهذا الارتباط الوثيق بأصول الفقه أسهم في تشكيل منهجية تفكيره، فكما يقال؛أصول الفقه بالنسبة للفقه، كالمنطق بالنسبة للفلسفة، فأصول الفقه مسدد ومنظم للتفكير بغية استنباط الحكم الشرعي، وإقباله على هذا العلم ربما راجع للتنشئة التربوية التي تلقاها في البيت والتي كانت تحرص على النظام والتنظيم كما يحكي ذلك في كتابه «أبجديات البحث في العلوم الشرعية محاولة في التأصيل المنهجي» والذي صدر في سنة 1997م، قبل مناقشته لأطروحة الدكتوراه، وهذا الكتاب هو في أصله قراءة لكتاب «أصول البحث العلمي ومناهجه» لأحمد بدر، فتنشئته التربوية أسهمت في إقباله على هذا العلم، وكان لهذا الأخير أثر واضح في بناء شخصيته العلمية «التأصيلية»، فهو لا يتحدث في أمر إلا أصل له وبحث عن دليله من القرآن والسنة، ولذلك أطلق في آخر حياته مشروع «من القرآن إلى العمران»، كما أن تعلقه بالموافقات أسهم في تشكيل رؤيته الإصلاحية على اعتبار أن مصنف الشاطبي 790هـ، هو في حقيقته مشروع إصلاحي يتداخل فيه التربوي بالتعليمي بالمعرفي بالإصلاحي، كما أن اهتمامه بالمصطلح الأصولي كان سببا في اطلاعه على الدراسات المصطلحية التي من مراميها الكشف عن أبنية المفاهيم وعلاقتها ببعضها البعض، فلا تكاد تجد مؤلفا للأنصاري إلا ويقدم له بتحديد مفاهيم المصطلحات ويخلص إلى تعريف معين، فهذه الرحلة العلمية للأنصاري مكنته من منهجية التأصيل والقراءة بمقصد إصلاحي دعوي تربوي.
إن للمسيرة العلمية الأكاديمية التي قضاها الأنصاري في رحاب الجامعة والبحث العلمي، كان لها أثر كبير في دراساته الإصلاحية الدعوية التربوية، وكانت جميع مصنفاته ذات الاتجاه الإصلاحي منذ سنة 2000م إلى سنة 2007م، تعطي للقارئ صورة واضحة، أن الكاتب متمرس في البحث العلمي الأكاديمي، وكأن كتاباته موجهة إلى طلاب الجامعة وأساتذتها من الباحثين، فترى الأنصاري في كتاباته هذه، يخاطبك بلغة الباحث لا بلغة العالم الحافظ لمجاميع العلم، يكتب دون مقدمات ولا منهج ولا نتائج، ودون أن يحيل على من أخذ عنهم، بل ممكن أن أقول إن هوامش كتابات الأنصاري لوحدها تجمع الفوائد الجمة، بل في الهامش































